الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٢١٧ - المسألة السابعة اتفق الكل على أن تعدية العلة شرط في صحة القياس
المسلك الثالث : أنهم قالوا إذا جاز أن تكون علة عند دلالة النص عليها جاز أن تكون علة بالاستنباط ، وهو غير صحيح أيضا . وذلك لان عليتها عند دلالة النص مستفادة من النص ، ودلالة النص عليها غير متحققة حالة استنباطها ، فلا يلزم أن تكون علة .
فإن قيل : إذا دل النص على علية الوصف القاصر ، وجب الحكم بعلية المستنبط لما بينهما من الاشتراك في الحكمة قلنا : هذا قياس في الأسباب ، وسيأتي إبطاله .
والمعتمد في ذلك أن يقال إذا كان الوصف القاصر مناسبا للحكم ، والحكم ثابت على وفقه ، غلب على الظن كونه علة للحكم بمعنى كونه باعثا عليه ، ولا معنى لصحة العلة سوى ذلك .
فإن قيل القضاء بصحة العلة يستدعي فائدة ، فإن ما لا فائدة فيه لا يمكن القضاء بصحته ، وفائدة العلة إنما هي في إثبات الحكم بها ، والعلة القاصرة غير مثبتة للحكم في الأصل لكونه ثابتا بالنص أو الاجماع ، ولأنها مستنبطة منه ، فتكون فرعا عليه فلو كانت مثبتة له ، لكان فرعا عليها ، وهو دور ، ولا هي مثبتة للحكم في الفرع لعدم تعديتها . فقد تعرت عن الفائدة بالكلية ، فلا تكون صحيحة .
قلنا : وإن سلمنا امتناع إثبات الحكم بالعلية القاصرة ، وأن إثبات الحكم بها فائدة لها ، ولكن لا نسلم انحصار فائدتها في ذلك ، بل لها ثلاث فوائد أخر .
الأولى معرفة كونها باعثة على الحكم بما اشتملت عليه من المناسبة أو الشبه وإذا كانت باعثة على الحكم ، كان الحكم معقول المعنى ، وكان أدعى إلى الانقياد وأسرع في القبول له مما لم يظهر فيه الباعث ، وكان تعبدا ، وإذا كان كذلك ، كان أفضى إلى تحصيل مقصود الشرع من شرع الحكم ، فكان التعليل بها مفيدا .
الثانية : أن العلة إذا كانت قاصرة ، فبتقدير ظهور وصف آخر متعد في محلها يمتنع تعدية الحكم به دون ترجيحه على العلة القاصرة ، وذلك من أجل الفوائد .
الثالثة : أنه إذا كانت القاصرة علة ، وعرفناها ، فقد امتنع بسببها تعدية الحكم إلى الفرع ، وذلك أيضا من أتم الفوائد .