الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٤٦ - المسألة الرابعة في جواز تأخير البيان
وأما الشبه الخاصة بما استعمل من الظواهر في غير ما هو ظاهر فيه ، فثلاث شبه :
الأولى : إنه إن جاز الخطاب بمثل ذلك من غير بيان له في الحال ، فإما أن يقال بجواز تأخير بيانه إلى مدة معينة ، فهو تحكم لم يقل به قائل . وإن كان ذلك إلى غير نهاية ، فيلزم منه بقاء المكلف عاملا أبدا بعموم قد أريد به الخصوص ، وهو في غاية التجهيل .
الثانية : أنه إذا خاطب الشارع بما يريد به غير ظاهره ، فإما أن لا يكون مخاطبا لنا في الحال ، أو يكون مخاطبا لنا به حالا :
الأول خلاف الاجماع ، وإن كان الثاني ، فلا بد وأن يكون قاصدا لتفهيمنا بخطابه حالا ، وإلا خرج عن كونه مخاطبا لنا حالا ، وهو خلاف الفرض وبيان لزوم ذلك أن المعقول من قول القائل خاطب فلان فلانا أنه قصد تفهيمه كلامه له . وإذا كان قاصدا للتفهيم في الحال ، فإن قصد تفهيم ما هو الظاهر من كلامه ، فقد قصد تجهيلنا ، وهو قبيح ، وإن قصد تفهيم ما هو المراد منه ، فقد قصد ما لا سبيل لنا إليه دون البيان ، وهو أيضا قبيح .
الثالثة : أنه لو جاز أن يخاطبنا بالعموم ويريد به الخصوص من غير بيان له في الحال ، لتعذر معرفة المراد من كلامه مطلقا ، وذلك لان ما من لفظ يبين به المراد إلا ويجوز أن يكون قد أراد به غير ما هو الظاهر منه ولم يبينه لنا ، وذلك مما يخل بمقصود الخطاب مطلقا ، وهو ممتنع .
والجواب عن الشبهة الأولى بالفرق ، وهو أن اللفظ المجمل ، وإن لم يعلم منه المراد بعينه ، فقد علم المكلف أنه مخاطب بأحد مدلولاته المعينة المفهومة له وبذلك يتحقق اعتقاده للوجوب والعزم على الفعل بتقدير البيان والتعيين ، فكان مفيدا بخلاف الخطاب ، بما لا يفهم منه شئ أصلا كما فرضوه .
وبهذا يكون جواب الشبهة الثانية .
وعن الشبهة الثالثة : أن تأخير البيان إنما يجوز إلى الوقت الذي تدعو الحاجة فيه إلى البيان ، وذلك لا يكون إلا معينا في علم الله تعالى : ويجوز أن يكون معلوما للرسول بإعلام الله تعالى له . وعند ذلك ، فأي وقت وجب على المكلف العمل