الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٢٩٥ - المسلك السادس اثبات العلة بالشبه ويشتمل على ثلاثة فصول في مباحث قياس الشبه
أحدهما النفسية ، وهو مشابه للحر فيها ، ومقتضى ذلك أن لا يزاد فيه على الدية ، والثاني المالية وهو مشابه للفرس فيها ، ومقتضى ذلك الزيادة .
إلا أن مشابهته للحر في كونه آدميا مثابا معاقبا ، ومشابهته للفرس في كونه مملوكا مقوما في الأسواق ، فكان إلحاقه بالحر أولى لكثرة مشابهته له ، وليس هذا من الشبه في شئ . فإن كل واحد من المناطين مناسب ، وما ذكر من كثرة المشابهة إن كانت مؤثرة ، فليست إلا من باب الترجيح لاحد المناطين على الآخر ، وذلك لا يخرجه عن المناسب ، وإن كان يفتقر إلى نوع ترجيح .
ومنهم من فسره بما عرف المناط فيه قطعا ، غير أنه يفتقر في آحاد الصور إلى تحقيقه ، وذلك كما في طلب المثل في جزاء الصيد بعد أن عرف أن المثل واجب بقوله تعالى : * ( فجزاء مثل ما قتل من النعم ) * ( المائدة : ٩٥ ) وليس هذا أيضا من الشبه ، إذ الكلام إنما هو مفروض في العلة الشبهية ، والنظر ههنا إنما هو في تحقيق الحكم الواجب ، وهو الأشبه لا في تحقيق المناط ، وهو معلوم بدلالة النص .
ودليل أن الواجب هو الأشبه ، أنه أوجب المثل ، ونعلم أن الصيد لا يماثله شئ من النعم ، فكان ذلك محمولا على الأشبه ، كيف وهو مجزوم مقطوع به ، والشبه مختلف فيه ، وكيف يكون المتفق عليه هو نفس المختلف فيه .
ومنهم من فسره بما اجتمع فيه مناطان مختلفان ، لا على سبيل الكمال ، إلا أن أحدهما أغلب من الآخر ، فالحكم بالأغلب حكم بالأشبه ، وذلك كاللعان ، فإنه قد وجد فيه لفظ الشهادة واليمين ، وليسا بمتمحضين ، لان الملاعن مدع ، والمدعي لا تقبل شهادته لنفسه ولا يمينه ، وهذا وإن كان أقرب من المذاهب المتقدمة إلا أنه مهما غلبت إحدى الشائبتين ، فقد ظهرت المصلحة الملازمة لها في نظرنا ، فيجب الحكم بها ، ولكنه غير خارج عن التعليل بالمناسب .
وقد ذهب القاضي أبو بكر إلى تفسيره بقياس الدلالة ، وهو الجمع بين الأصل والفرع بما لا يناسب الحكم ، ولكن يستلزم ما يناسب الحكم ، وسيأتي تحقيقه في موضعه بعد .