الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ١٦٦ - المسألة الخامسة عشرة جواز النسخ بفحوى الخطاب
الضرب العنيف ، فكأنه قال لا تقل لهما أف ولا تضربهما فرفع حكم أحدهما يفيد رفع حكم الآخر ، ومنع منه تارة ، ووافقه على المنع أبو الحسين البصري مصيرا منهما إلى أن تحريم التأفيف إنما كان إعظاما للوالدين . فإذا أبيح ضربهما كان ذلك نقضا للغرض من تحريم التأفيف .
والمختار في ذلك أن يقال : إثبات تحريم الضرب في محل السكوت إما أن يقال إنه ثابت بالقياس على تحريم التأفيف في محل النطق ، أو أنه ثابت بدلالة اللفظ لغة على اختلاف المذاهب فيه .
فإن كان الأول : فيجب أن يقال بأن نسخ حكم الأصل يوجب رفع حكم الفرع ، لاستحالة بقاء الفرع دون أصله ، وإن لم يسم ذلك نسخا ، لما سبق . وإن رفع حكم الفرع لا يوجب رفع حكم الأصل ، إذ لا يلزم من رفع التابع رفع المتبوع وإن كان الثاني ، فلا يخفى أن دلالة اللفظ على تحريم التأفيف بجهة صريح اللفظ ، وعلى تحريم الضرب بجهة الفحوى ، وهما دلالتان مختلفتان ، غير أن دلالة الفحوى تابعة لدلالة المنطوق . وعند ذلك ، أمكن أن يقال بأن رفع حكم إحدى الدلالتين لا يلزم منه رفع حكم الدلالة الأخرى .
فإن قيل : فإذا كانت دلالة الفحوى تابعة لدلالة المنطوق ، فرفع الأصل مما يمتنع معه بقاء التابع .
وأيضا فإن الغرض من دلالة المنطوق إعظام الوالدين ، فرفع حكم الفحوى مما يخل بالغرض من دلالة المنطوق ، فيمتنع معه بقاء حكم المنطوق .
قلنا : أما الأول فمندفع ، وذلك لان دلالة الفحوى ، وإن كانت تابعة لدلالة المنطوق ، فنسخ حكم المنطوق ليس نسخا لدلالته ، بل نسخا لحكمه ، ودلالة الفحوى تابعة لدلالة المنطوق على حكمه ، لا أنها تابعة لحكمه ، ودلالته باقية بعد نسخ حكمه كما كانت قبل نسخه ، فما هو أصل لدلالة الفحوى غير مرتفع ، وما هو المرتفع ليس أصلا للفحوى .
وأما الثاني ، فغاية ما يلزم من نسخ حكم الفحوى إبطال الغرض من أصل إثبات الحكم فيه ، ولا يخفى أن غرض إثبات التحريم للتأفيف مغاير لغرض تخصيصه بالذكر ، تنبيها بالأدنى على الاعلى ، ولا يلزم من إبطال أحد الغرضين إبطال الغرض الآخر .