الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ١٠٢ - الفصل الأول في تعريف النسخ والناسخ والمنسوخ
الفصل الأول في تعريف النسخ والناسخ والمنسوخ أما النسخ فهو في اللغة قد يطلق بمعنى الإزالة ، ومنه يقال نسخت الشمس الظل ، أي أزالته ، ونسخت الريح أثر المشي ، أي أزالته . ونسخ الشيب الشباب ، إذا أزاله ، ومنه تناسخ القرون والأزمنة . والإزالة هي الاعدام ، ولهذا يقال :
زال عنه المرض والألم وزالت النعمة عن فلان ، ويراد به الانعدام في هذه الأشياء كلها .
وقد يطلق بمعنى نقل الشئ وتحويله من حالة إلى حالة مع بقائه في نفسه .
قال السجستاني من أهل اللغة : والنسخ أن تحول ما في الخلية من النحل والعسل إلى أخرى ومنه تناسخ المواريث بانتقالها من قوم إلى قوم ، وتناسخ الأنفس بانتقالها من بدن إلى غيره عند القائلين بذلك . ومنه نسخ الكتاب بما فيه من مشابهة النقل ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : * ( إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ) * ( ٤٥ ) الجاثية : ٢٩ ) والمراد به نقل الأعمال إلى الصحف ، أو من الصحف إلى غيرها .
اختلف الأصوليون : فذهب القاضي أبو بكر ومن تابعه ، كالغزالي وغيره إلى أن اسم النسخ مشترك بين هذين المعنيين .
وذهب أبو الحسين البصري وغيره إلى أنه حقيقة في الإزالة ، مجاز في النقل .
وذهب القفال من أصحاب الشافعي إلى أنه حقيقة في النقل والتحويل .
وقد احتج أبو الحسين البصري بأن إطلاق اسم النسخ على النقل في قولهم نسخت الكتاب مجاز ، لان ما في الكتاب لم ينقل حقيقة . وإذا كان اسم النسخ مجاز في النقل ، لزم أن يكون حقيقة في الإزالة ، لأنه غير مستعمل فيما سواهما .
وإذا بطل كونه حقيقة في أحدهما تعين أن يكون حقيقة في الآخر .
وقد قرر ذلك بعضهم من وجه آخر ، فقال : إطلاق اسم النسخ بمعنى الإزالة والاعدام واقع كما سبق ، والأصل في الاطلاق الحقيقة ، ويلزم أن لا يكون حقيقة في النقل ، دفعا للاشتراك عن اللفظ .