الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ١٢ - المسألة الأولى - التحليل والتحريم المضافين إلى الأعيان لا اجمال فيهما
هذا كله في الأقوال وقد يكون ذلك في الافعال ، كما ذكرناه أولا وتمام كشف الغطاء عن ذلك بمسائل ، وهي ثمان المسألة الأولى الذي صار إليه أصحابنا وجماعة من المعتزلة ، كالقاضي عبد الجبار والجبائي وأبي هاشم وأبي الحسين البصري ، أن التحليل والتحريم المضافين إلى الأعيان كقوله تعالى : * ( حرمت عليكم أمهاتكم ) * ( ٤ ) النساء : ٢٣ ) * ( وحرمت عليكم الميتة ) * ( المائدة : ٣ ) لا إجمال فيه ، خلافا للكرخي وأبي عبد الله البصري .
احتج القائلون بالاجمال بأن التحليل والتحريم إنما يتعلق بالافعال المقدورة ، والأعيان التي أضيف إليها التحليل والتحريم غير مقدورة لنا ، فلا تكون هي متعلق التحليل والتحريم ، فلا بد من إضمار فعل يكون هو متعلق ذلك ، حذرا من إهمال الخطاب بالكلية ، ويجب أن يكون ذلك بقدر ما تندفع به الضرورة تقليلا للاضمار المخالف للأصل . وعلى هذا ، فيمتنع إضمار كل ما يمكن تعلقه بالعين ، من الافعال وليس إضمار البعض أولى من البعض ، لعدم دلالة الدليل على تعيينه ، ولأنه لو دل على تعيين بعض الأفعال ، لكان ذلك متعينا من تعلق التحريم بأي عين كانت ، وهو محال قال النافون : وإن سلمنا امتناع تعلق التحليل والتحريم بنفس العين ، ولكن متى يحتاج إلى الاضمار ، إذا كان اللفظ ظاهرا بعرف الاستعمال في الفعل المقصود من تلك العين ، أو إذا لم يكن ؟ الأول ممنوع ، والثاني مسلم .
وبيانه : أن كل من اطلع على عرف أهل اللغة ، ومارس ألفاظ العرب لا يتبادر إلى فهمه عند قول القائل لغيره ( حرمت عليك الطعام والشراب ، وحرمت عليك النساء ( سوى تحريم الأكل والشرب من الطعام والشراب ، وتحريم وطئ النساء .
والأصل في كل ما يتبادر إلى الفهم أن يكون حقيقة ، إما بالوضع الأصلي ، أو بعرف الاستعمال ، والاجمال منتف بكل واحد منهما ولهذا ، كان الاجمال منتفيا عند قول القائل ( رأيت دابة ) لما كان المتبادر إلى الفهم ذوات الأربع بعرف الاستعمال ، وإن كان على خلاف الوضع الأصلي . وعلى هذا ، فقد خرج الجواب عما ذكروه من الوجه الثاني أيضا .