الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ١٣٣ - المسألة الثانية اتفق القائلون بجواز النسخ على جواز نسخ حكم الفعل الخ
قلنا : وهذا أيضا مبني على رعاية الحكمة في أفعال الله تعالى ، وهو باطل ، لما عرف من أصلنا ، بل جاز أن يكون الأمر والنهي ، لا لمصلحة ولا لمفسدة . وإن سلم عدم خلوه عن المصلحة والمفسدة ، ولكن لا نسلم أنه يلزم من ذلك الامر بالمفسدة والنهي عن المصلحة ، بل جاز أن يقال إنه مشتمل على المصلحة حالة الامر ، ومشتمل على المفسدة حالة النهي ، ولا مفسدة حالة الامر ، ولا مصلحة حالة النهي ، على ما تقرر قبل . ولا يلزم من ذلك الجهل في حق الله تعالى ولا البداء ، لعلمه حالة الامر بما الفعل مشتمل عليه من المصلحة ، وانه سينسخه في ثاني الحال ، لما يلازمه من المفسدة المقتضية للنسخ حالة النسخ ، كما علم .
قولهم في المعارضة الثانية : إذا أمر بالفعل ، ثم نهى عنه ، فتبين أنه أمر بما لم يرد ، مسلم . وعندنا ليس من شرط الامر إرادة المأمور به كما سبق تعريفه .
قولهم يلزم من ذلك عدم الوثوق بجميع أقوال الشارع ، إن أرادوا بذلك أنه إذا خاطب بما يحتمل التأويل أنا لا نقطع بإرادته لما هو الظاهر من كلامه ، فمسلم ولكن لا نسلم امتناع ذلك ، وهذا هو أول المسألة ، وإن أرادوا به أنه لا يمكن الاعتماد على ظاهره مع احتمال إرادة غيره من الاحتمالات البعيدة ، فغير مسلم وإن أرادوا غير ذلك ، فلا نسلم تصوره .
قولهم في المعارضة الثالثة إنه يلزم منه أن يكون الفعل الواحد في وقت واحد مأمورا منهيا .
قلنا : مأمور منهي معا ، أو لا معا ؟ الأول ممنوع ، والثاني مسلم .
قولهم إن كلام الله عندكم صفة واحدة لا نسلم ذلك ، إن سلكنا مذهب عبد الله بن سعد من أصحابنا ، وإن سلكنا مذهب الشيخ أبي الحسن فلم قالوا بالإحالة .
قولهم يلزم منه أن تكون الصفة الواحدة أمرا نهيا .
قلنا : إنما تسمى الصفة الواحدة بهذه الأسماء بسبب اختلاف تعلقاتها ومتعلقاتها فإن تعلقت بالفعل سميت أمرا ، وإن تعلقت بالترك سميت نهيا ، وذلك إنما يمتنع أن لو اتحد زمان التعلق بالفعل والترك .
وأما إذا كان زمان التعلق مختلفا ، فلا . والمأمور والمنهي ، وإن كان زمانه متحدا لكن تعلق الامر به غير زمان تعلق النهي به ، ومع التغاير فلا امتناع .