الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٢٦٠ - المسلك الثالث ما يدل على العلة بالتنبيه والايماء
القسم الخامس - أن يكون الشارع قد أنشأ الكلام لبيان مقصود ، وتحقيق مطلوب ، ثم يذكر في أثنائه شيئا آخر ، لو لم يقدر كونه علة لذلك الحكم المطلوب لم يكن له تعلق بالكلام ، لا بأوله ولا بآخره ، فإنه يعد خبطا في اللغة واضطرابا في الكلام ، وذلك مما تبعد نسبته إلى الشارع ، وذلك كقوله تعالى : * ( يا أيها الذين آمنوا ، إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة ، فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ) * فالآية إنما سيقت لبيان أحكام الجمعة لا لبيان أحكام البيع . فلو لم يعتقد كون النهي عن البيع علة للمنع عن السعي الواجب إلى الجمعة ، لما كان مرتبطا بأحكام الجمعة ، وما سيق له الكلام ، ولا تعلق به ، وذلك ممتنع ، لما سبق .
وقوله تعالى * ( وذروا البيع ) * وإن كانت صيغته صيغة أمر ، إلا أنه في معنى النهي إذا النهي طلب ترك الفعل . وقوله تعالى * ( وذروا البيع ) * طلب لترك البيع ، فكان نهيا .
القسم السادس - أن يذكر الشارع مع الحكم وصفا مناسبا كقوله ، عليه السلام لا يقضي القاضي ، وهو غضبان فإنه يشعر بكون الغضب علة مانعة من القضاء لما فيه من تشويش الفكر واضطراب الحال ، وكذلك إذا قال : أكرم العالم ، وأهن الجاهل ، فإنه يسبق إلى الفهم منه أن العلم علة للاكرام والجهل علة للإهانة وذلك لوجهين .
الأول : ما ألف من عادة الشارع من اعتبار المناسبات دون إلغائها ، فإذا قرن بالحكم في لفظه وصفا مناسبا غلب على الظن اعتباره له .
الثاني : ما علمنا من حال الشارع أنه لا يرد بالحكم خليا عن الحكمة إذ الاحكام إنما شرعت لمصالح العبيد ، وليس ذلك بطريق الوجوب ، بل بالنظر إلى جري العادة المألوفة من شرع الاحكام ( ١ ) فإذا ذكر مع الحكم وصفا مناسبا ، غلب
١ - رعاية المصلحة في شرع الاحكام لم يوجبها أحد سوى الله عليه وإنما أوجبها سبحانه على نفسه رحمة منه بعباده ، ويقال أيضا إن رعاية المصلحة في التصرفات هو مقتضى الحكمة وموجب الرحمة فكان احكم الحاكمين ، وارحم الراحمين ، أولى بذلك في فعله وشرعه .