الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٢٣٠ - المسألة التاسعة في الكسر هل هو مبطل للعلة
المسألة التاسعة اختلفوا في الكسر : وهو تخلف الحكم المعلل عن معنى العلة وهو الحكمة المقصودة من الحكم ، هل هو مبطل للعلة أو لا ؟
وصورته : ما لو قال الحنفي في مسألة العاصي بسفره مسافر ، فوجب أن يترخص في سفره كغير العاصي في سفره وبين مسافة السفر ، بما فيه من المشقة .
فقال المعترض : ما ذكرته من الحكمة ، وهي المشقة ، منتقضة ، ، فإنها موجودة في حق الحمال وأرباب الصنائع الشاقة في الحضر ، ومع ذلك فإنه لا رخصة .
والأكثرون على أن ذلك غير مبطل للعلة .
والوجه فيه أن الكلام إنما هو مفروض في الحكمة التي ليست منضبطة بنفسها بل بضابطها وعند ذلك فلا يخفى أن مقدارها مما لا ينضبط ، بل هو مختلف باختلاف الأشخاص والأزمان والأحوال وما هذا شأنه فدأب الشارع فيه رد الناس إلى المظان الظاهرة الجلية ، دفعا للعسر عن الناس والتخبط في الاحكام ، على ما قال تعالى * ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) * وعلى هذا ، فيمتنع التعليل بها دون ضابطها . وإذا لم تكن علة ، فلا معنى لا يراد النقض عليها .
فإن قيل : المقصود من شرع الحكم إنما هو الحكمة دون ضابطها ، وعند ذلك فيحتمل أن يكون مقدار الحكمة في صورة النقض مساويا لمقدارها في صورة التعليل ، ويحتمل أن يكون أزيد ، ويحتمل أن يكون أنقص . وعلى تقدير المساواة والزيادة ، فقد وجد في صورة النقص ما كان موجودا في صورة التعليل ، وإنما لا يكون موجودا بتقدير أن يكون أنقض .
ولا يخفى أن ما يتم على تقديرين أغلب على الظن مما لا يتم إلا على تقدير واحد .
ومع ذلك ، فيظهر إلغاء ما ظن أن الحكم معلل به .
قلنا : الحكمة ، وإن كانت هي المقصودة من شرع الحكم ، لكن على وجه تكون مضبوطة إما بنفسها ، أو بضابطها ، لما ذكرناه . وما فرض من الحكمة في صورة النقض مجردة عن ضابطها ، فامتنع كونها مقصودة ، وبتقدير كونها