الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٢٠٣ - القسم الثاني في شروط علة الأصل
أما إذا كانت الحكمة ظاهرة منضبطة غير مضطربة ، فلانا أجمعنا على أن الحكم إذا اقترن بوصف ظاهر منضبط مشتمل على حكمة غير منضبطة بنفسها أنه يصح التعليل به ، وإن لم يكن هو المقصود من شرع الحكم ، بل ما اشتمل عليه من الحكمة الخفية . فإذا كانت الحكمة ، وهي المقصود من شرع الحكم ، مساوية للوصف في الظهور والانضباط كانت أولى بالتعليل بها .
وأما إذا كانت الحكمة خفية مضطربة غير منضبطة فيمتنع التعليل بها لثلاثة أوجه :
الأول : أنها إذا كانت خفية مضطربة مختلفة باختلاف الصور والأشخاص والأزمان والأحوال ، فلا يمكن معرفة ما هو مناط الحكم منها والوقوف عليه إلا بعسر وحرج ، ودأب الشارع فيما هذا شأنه على ما ألفناه منه ، إنما هو رد الناس فيه إلى المظان الظاهرة الجلية ، دفعا للعسر عن الناس والتخبط في الاحكام . ولهذا فإنا نعلم أن الشارع إنما قضى بالترخص في السفر ، دفعا للمشقة المضبوطة بالسفر الطويل إلى مقصد معين ، ولم يعلقها بنفس المشقة ، لما كانت مما يضطرب ويختلف . ولهذا فإنه لم يرخص للحمال المشقوق عليه في الحضر ، وإن ظن أن مشقته تزيد على مشقة المسافر في كل يوم فرسخ ، وإن كان في غاية الرفاهية والدعة ، لما كان ذلك مما يختلف ويضطرب . الثاني : أن الاجماع منعقد على صحة تعليل الاحكام بالأوصاف الظاهرة المنضبطة المشتملة على احتمال الحكم ، كتعليل وجوب القصاص بالقتل العمد العدوان لحكمة الزجر أو الجبر ، وتعليل صحة البيع بالتصرف الصادر من الأهل في المحل لحكمة الانتفاع ، وتعليل تحريم شرب الخمر وإيجاب الحد به لحكمة دفع المفسدة الناشئة منه ونحوه ، ولو كان التعليل بالحكمة الخفية مما يصح لم احتيج إلى التعليل بضوابط هذه الحكم والنظر إليها ، لعدم الحاجة إليها ، ولما فيه من زيادة الحرج بالبحث عن الحكمة ، وعن ضابطها مع الاستغناء بأحدهما .
الثالث : أن التعليل بالحكمة المجردة إذا كانت خفية مضطربة ، مما يفضي إلى العسر والحرج في حق المكلف بالبحث عنها والاطلاع عليها ، والحرج منفي بقوله تعالى : * ( ما جعل عليكم في الدين من حرج ) * ( ٢٢ ) الحج : ٧٨ ) غير أنا خالفناه في التعليل بالوصف