الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ١٥٤ - المسألة العاشرة الخلاف في امتناع نسخ الكتاب بالسنة المتواترة
أن يقال إن نسخ الجلد بالرجم إنما كان بقرآن نسخ رسمه ، وهو ما روي عن عمر أنه قال ( كان فيما أنزل الله : الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله ورسوله ( ١ ) .
ولا يمكن أن يقال إن ذلك لم يكن قرآنا بما روي عن عمر أنه قال ( لولا أنني أخشى أن يقال : زاد عمر في القرآن ما ليس منه لكتبت : الشيخ والشيخة إذا زنيا على حاشية المصحف ( ٢ ) وذلك يدل على أنه لم يكن قرآنا لأنا نقول : غاية قول عمر الدلالة على إخراج ذلك عن المصحف والقرآن لنسخ تلاوته ، وليس فيه دلالة على أنه لم يكن قرآنا .
فإن قيل ( الشيخ والشيخة ) لم يثبت بالتواتر ، بل بقول عمر ، ونسخ المتواتر بالآحاد ممتنع على ما يأتي ، وسواء كان ذلك قرآنا أو سنة .
١ - يتلخص الكلام على رجم المحصن في ثلاثة أمور ، الأول نقله عمليا نقلا متواترا عن النبي ( ص ) والخلفاء الراشدين ومن بعدهم إلى يومنا فلم يخل عهد من إقامة حد الزنا جلدا للبكر ورجما للثيب ، ونقله أيضا بالقول من عدة طرق نقلا مستفيضا ان لم يكن متوترا وكل من النقلين يفيد وحده العلم بثبوت حد الرجم وباجتماعهما يتأكد العلم بمشروعيته ولا مدخل بعد هذا لشبهة والا موضع لريبة الثاني ان حكم مما نزل في كتاب الله ودلت عليه آية من آيات القرآن قراها الصحابة وحفظوها وعمل بها النبي ( ص ) حياته والصحابة بعده وقد ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة من ذلك ما رواه مالك في الموطأ والبخاري ومسلم في صحيحيهما من طريق ابن عباس عن عمر في خطبة طويلة ان الله بعث محمدا ( ص ) بالحق وانزل عليه الكتاب فكان فيما انزل عليه آية الرجم قرأناها ووعيناها وعقلناها فرجم رسول الله ( ص ) ورجمنا بعده فأخشى ان طال بالناس زمان أن يقول قائل ما نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله الحديث ، الا ان الأحاديث الصحيحة لم تذكر نص الآية ولم تعين موضعها من سور القرآن وقد ذكرها النسائي والترمذي وأبو داود وابن ماجة بلفظ ( الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة ) وذكر النسائي انها من سورة الأحزاب . الثالث قول عمر : ولولا أن يقول قائل أو يتكلم متكلم أن عمر زاد في كتاب الله لأثبتها كما نزلت ) . وهذه المقالة فيها نظر من جهتين : الأولى أن عمر لم يكن ليمنعه قول الناس أو الخوف من كلامهم ان يكتب في القرآن ما هو منه في عقيدته وقد عرف بالصراحة في القول والصلابة في الحق لا يخشى في ذلك لومة لائم ولو كان معتذرا في ذلك بما يقال من أنها نسخت تلاوتها وبقي حكمها . الثانية : أن في أسانيد تلك المقالة ضعفا ففي أحد أسانيدها عند أحمد هشيم ابن بشير السلمي عن الزهري عن علي بن زيد بن جدعان . وعلى ضعيف . وعلى كل حال في هذه المقالة ريبة وفتح لباب الظنة في الصحابة والقرآن فيجب ان تبحث وتحقق كما ينبغي والله العالم .