الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٣٣ - المسألة الرابعة في جواز تأخير البيان
( ١ ) وإذا عرف تفصيل المذاهب فقد احتج أصحابنا القائلون بجواز التأخير مطلقا بحجج نقلية ، وعقلية .
إما النقلية : فالحجة الأولى منها قوله تعالى : * ( إن علينا جمعه وقرآنه ، فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ، ثم إن علينا بيانه ) * ( ٧٥ ) القيامة : ١٧ - ١٩ ) ووجه الاحتجاج به أنه قال * ( فإذا قرأناه ) * معناه أنزلناه ، ويدل على ذلك قوله تعالى : * ( فاتبع قرآنه ) * أمر النبي ( ص ) ، بالاتباع بفاء التعقيب ، لقوله : * ( فإذا قرأناه ) * ولا يتصور ذلك قبل الانزال لعدم معرفته به وإنما يكون بعد الانزال . وإذا كان المراد بقوله * ( قرأناه ) * الانزال ، فقوله : * ( ثم إن علينا بيانه ) * يدل على تأخير البيان عن وقت الانزال ، لان * ( ثم ) * للمهلة والتراخي على ما سبق تقريره ( ٢ ) .
ولقائل أن يقول : وإن كان المراد من قوله تعالى : * ( فإذا قرأناه ) * الانزال ، ولكن لا نسلم أن المراد من قوله * ( ثم إن علينا بيانه ) * بيان مجمله وخصوصه وتقييده ومنسوخه ، بل المراد منه إظهاره وإشهاره ، وهو على وفق الظاهر ، لان البيان هو الاظهار في اللغة ، ومنه يقال : بان لنا الكوكب الفلاني ، وبان لنا سور المدينة إذا ظهر ، ويقال : بين فلان الامر الفلاني إذا أظهره وعند ذلك ، فليس حمله على ما ذكر من بيان المراد من المجمل والعام والمطلق أولى مما ذكرناه ( ٣ ) . كيف وإن الترجيح لهذا المعنى من جهة أن المراد من قوله تعالى : * ( إن علينا جمعه وقرآنه ) * ( ٧٥ ) القيامة : ١٧ ) إنما هو جميع القرآن فإنه ليس اختصاص بعضه بذلك أولى من بعض
١ - هذا الكلام مجرد فرض وخيال ليس له واقع في التشريع . ٢ - فسرت القراءة في الآية بالانزال وبتلاوة جبريل على الرسول ( ص ) وفسر الاتباع فيها بالاستماع للتلاوة ، وبالاتباع عقيدة وعملا ، وهذا من اختلاف التنوع فالقرآن منزل مقروء على النبي ( ص ) وهو مأمور بالاستماع له ، واعتقاده ، والعمل به ، فلا يضر هذا الاختلاف في الاستدلال بالآية على المظلوم . ٣ - قيل معنى بيان القرآن اظهاره واشهاره ، وقيل اظهاره على لسان النبي ( ص ) تلاوة بعد جمعه في صدره وتثبيته في قلبه ، وعليها لا يتم للمستدل الاحتجاج بالآية على مطلوبه ، وقيل معنى بيانه ايضاح مجمله وتحديد المراد ن عامه ومطلقه والدلالة على منسوخه وعليه يتم الاستدلال بالآية على المطلوب ، والذي يظهر لي أن البيان عام لأنه اسم جنس مضاف فيشمل كل ما ذكر ، فالله تكفل لرسوله ( ص ) بحفظ القرآن ونشره واشهاره وتيسير تلاوته ، وتكفل بايضاح متشابه بمحكمه والدلالة على المراد بعامه ومطلقه وبذلك يتم الاستدلال بالآية على المطلوب .