الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٣٩ - المسألة الرابعة في جواز تأخير البيان
الثاني أن ( ما ) لو كانت مختصة بمن لا يعلم ، لما احتيج إلى قوله من دون الله وحيث كانت بعمومها متناولة لله تعالى احتاج إلى التقييد بقوله : من دون الله .
قلنا : أما ما ذكروه من النصوص والاطلاقات فغايتها جواز إطلاق ( ما ) على من يعقل ويعلم ، ولا يلزم من ذلك أن تكون ظاهرة فيه ، بل هي ظاهرة فيمن لا يعقل .
ودليل ذلك قول النبي ( ص ) ، لابن الزبعرى لما ذكر ما ذكر ( ١ ) رادا عليه بقوله : ما أجهلك بلغة قومك ، أما علمت أن ( ما ) لما لا يعقل و ( من ) لمن يعقل . ولا يخفى أن الجمع بين الامرين والتوفيق بين الأدلة أولى من تعطيل قول النبي ( ص ) والعمل بما ذكروه .
وإذا كانت * ( ما ) * ظاهرة في من لا يعقل دون من يعقل ، وجب تنزيلها على ما هي ظاهرة فيه .
وما ذكروه من الوجه الأول في المعنى فهو باطل بما ذكرناه من إنكار النبي ( ص ) ولا يخفى أن اتباع قول النبي أولى من اتباع ما ظنه ابن الزبعرى .
وما ذكروه في الوجه الثاني من عدم الاحتياج إلى قوله * ( من دون الله ) * ( ٢ ) البقرة : ٢٣ ) إنما يصح أن لو لم يكن فيه فائدة ، وفائدته التأكيد ، وحمل الكلام على فائدة التأسيس ، وإن كان هو الأصل ، غير أنه يلزم من حمله على فائدة التأسيس مخالفة ظاهر قول النبي ( ص ) والجمع أولى من التعطيل . وإن سلمنا أن * ( ما ) * حقيقة في من يعقل ، غير أنا لا نسلم أن بيان التخصيص لم يكن مقارنا للآية .
وبيان المقارنة أن دليل العقل صالح للتخصيص على ما سبق . والعقل قد دل على امتناع تعذيب أحد بجرم صادر من غيره ، اللهم إلا أن يكون راضيا بجرم ذلك الغير ، واحد من العقلاء لم يخطر بباله رضا الملائكة والمسيح بعبادة من عبد هم و * ( ما ) * مثل هذا الدليل العقلي ، فلا نسلم عدم مقارنته للآية .
وأما نزول قوله تعالى : * ( إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ) * ( ٢١ ) الأنبياء : ١٠١ ) الآية ، فإنما ورد تأكيدا بضم الدليل الشرعي ، إلى الدليل العقلي ، مع الاستغناء عن أصله ، أما أن يكون هو المستقل بالبيان ، فلا .
الحجة السادسة : قول الملائكة لإبراهيم * ( إنا مهلكو أهل هذه القرية ، إن أهلها كانوا ظالمين ) * ( ٢٩ ) العنكبوت : ٣١ ) ولم يبينوا إخراج لوط ومن معه من المؤمنين عن الهلاك بقولهم * ( نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله ) * ( ٢٩ ) العنكبوت : ٣٢ ) إلا بعد سؤال إبراهيم وقوله : * ( إن فيها لوطا ) * ( ٢٩ ) العنكبوت : ٣٢ )
١ - انظر التعليق ص ٢٠١ ج ٢ .