الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٣٨ - ٤ - الأخلاق الإسلامية
١- حقيقة النفس:
حقيقة النفس (الروح، القلب) أنها مادة [١] لطيفة محددة تحيا إذا أوتيت الحياة وتموت إذا افتقدتها، وتعرف إذا أُوتيت المعرفة وتجهل إذا فقدتها. وهي غير البدن وبإمكانها أن تعيش خارج الجسم- بعد الموت- دون أن تدخل في جسم آخر.
والدليل على كل هذه:
أولًا: الوجدان الإنساني .. ألسنا نحسّ بأنَّا نعلم ونقدر ونحيا، ولكن العلم والقدرة والحياة ليست من ذاتنا (أنا حي، أي أنا أملك الحياة ولكن لست جوهر الحياة نفسه)؛ ذلك لأننا لم نكن عالمين ثم علمنا، إذًا فالعلم ليس من ذاتنا الذي لا ينفصل عنه.
ثانيًا: تجارب احضار الأرواح المفصلة في كتبهم التي تبلغ المئات في الغرب والشرق.
ثالثًا: الآيات والأحاديث التالية:
١- وَ اللّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا [٢]، وواضح أن المجرد لا يمكن أن يُصبح جاهلًا، فحيث إن النفس تعود جاهلة بعد العلم فهي غير مجردة بنص هذه الآية.
٢- في الحديث عن الإمام الصادق (ع) في حوار طويل مع أحد الزنادقة:
«وَالرُّوحُ جِسْمٌ رَقِيقٌ قَدْ أُلْبِسَ قَالَبًا كَثِيفًا ..
إلى أَنْ قَالَ:
الرُّوحُ بِمَنْزِلَةِ الرِّيحِ فِي الزِّقِّ إِذَا نُفِخَتْ فِيهِ امْتَلَأَ الزِّقُّ مِنْهَا فَلَا يَزِيدُ فِي وَزْنِ الزِّقِّ وُلُوجُهَا فِيهِ وَلَا يَنْقُصُهَا خُرُوجُهَا مِنْهُ، كَذَلِكَ الرُّوحُ لَيْسَ لَهَا ثِقْلٌ وَلَا وَزْنٌ ..»[١].
[١] حينما نقول مادة لا نقصد أنها جسم، فالتيار الكهربائي من المادة أيضًا، مع العلم أنه ليس بجسم. وليست كل مادة تحس وتلمس بالحواس الظاهرية، بل المقصود بالمادة أن الروح محدودة الجوانب متقلبة الطبائع تغدو وتروح. وليست المعرفة والقدرة والحياء جزء من كيانها الذاتي، بل إنها أشياء خارجية رُكِّبت من قبل الله سبحانه وتعالى خلافًا لما قاله فلاسفة الإغريق وتبعهم غيرهم من أن نفس الإنسان مجردة غير محدودة، عالمة حية بذاتها، وبتعبير آخر: إنها تحمل صفات الله- سبحانه وتعالى عما يصفون-. وما أبعد ما بين هذا الرأي وبين ما زعمته المادية أن النفس غير موجودة رأسًا. وهكذا يتجاذب التطرُّف من هنا والتعدِّي من هناك كل الذين ابتعدوا عن هدى الله واتبعوا أهواءهم بغير علم.
[٢] سورة النحل، آية: ٧٠.
[٣] بحار الأنوار: ج ١٠، ص ١٨٥.