مبادئ الحكمة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٠٥ - الفصل السادس بين القدر والقضاء
والفرق في ذلك يكمن في أن الحديث عن الله يعني الحديث عن غاية الفعل، أما الحديث عن الانسان فهو حديث عن مبدئه. فالانسان حينما يرحم أحدا من الناس فإن فعله هذا يتحقق عبر مراحل معينة، فهو ينظر إليه ثم يرى ما به من ضعف وعجز، ثم يتألم له قلبه، ثم تثور نفسه، ثم يأخذ مقدارا من المال ويعطيه. وأنت حنيما ترى رجلا جريحا قد دهسته سيارة فانك ترحمه وتنقذه وتسعفه وتذهب به الى أقرب مستشفى؛ أي أن مراحل فعلك تمثلت بالنظر إليه، ثم بتأثر القلب، ثم بهمة النفس، ثم بالقرار والعزم على إنقاذه، ثم حمله الى المستشفى. فإذا قيل: فلان رحيم يعني أن (الرحمة) قد مرت عبر هذه المجموعة المتعاقبة من المراحل حتى تحققت.
أما إذا قلنا: (رحم الله فلاناً)، فإننا لا نعني أن الله قد نظر اليه بعينه، فالله لا عين له. ولانعني أن الله قد تأثر قلبه جراء هذا المنظر المفجع أو ذاك، فالله لا قلب له. فالله ينظر من دون عين، ويرحم الانسان من دون توجع قلب. فالانسان بحاجة الى المراحل والمقدمات ليحصل في ذاته تحول متكامل، اما الله جل جلاله فلا حاجة به الى تحول. فمعنى أن الله رحم فلانا هو ان السيارة كادت تدهسه فنبّه السائق والسائق غيّر الاتجاه ولم يدهسه، فالعمل نفسه الذي يقوم به الانسان الرحيم عبر الوسائل وبعد التحولات الذاتية يقوم به الله تعالى ولكن دون الحاجة الى مقدمات، وهذا معناه:" خذ الغايات واترك المبادئ" في إطار الحديث عن فعل الله تعالى.
ولنضرب مثلًا آخر: حينما ننعت انساناً بأنه غضبان، فنعني أن الدم تدفق الى قلبه، وان اعصابه تحركت وتشنجت، وان عينه احمرت، وأن أوداج رقبته برزت؛