بينات من فقه القرآن(سورة الحج) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣١٣ - الإصطفاء الإلهي
تفصيل القول
تتحدَّث هذه الآية الكريمة عن قضية مهمة وحساسة جدًّا وهي أن بعثة الأنبياء والرسل إنما تتمخَّض بعد عملية اصطفاء وانتخاب. كما يتم اصطفاء الملائكة واختيارهم من جانب الله تبارك وتعالى لإرسالهم في مهمات وتكليفهم بواجبات.
ومن المعلوم أن أفعال الله تعالى قائمة على أساس العدل والحكمة .. وبالتالي فإن بعثة الأنبياء وتعيينهم قادة للبشر وجعلهم حجج الله في أرضه، يتبع حكمة بالغة .. ومن لوازم هذه الحكمة الربانية أنه تعالى يهب صفة العصمة والتسديد الدائم لأولئك المرسلين. فلا يصح إذاً نسبة الخطأ إليهم؛ لأن ذلك ينتهي إلى نسبة الخطأ إلى الرَّبِّ سبحانه حيث اختارهم. فهو تعالى إذا كان لا يبعث ملكاً لإيصال الوحي، ولا يُكلِّف ملكاً من الملائكة بأداء مهمة ما إلَّا بعد تمريره في ممر الاصطفاء، رغم أنهم مخلوقون مُجرَّدون عن الشهوات، فلا يتوقع منهم ممارسة الذنب والخطأ .. فلا بد وهذي الحال أن يكون اختيار شخص من بين البشر لمنزلة النبوة الأكثر أهمية لا يتم إلَّا بعد الاصطفاء أيضاً.
ويمكن القول بأن اصطفاء بشر خاصين ليكونوا رسلًا للناس من جانب الله تبارك وتعالى منبثق عن قاعدة الرحمة الإلهية الواسعة، لأنها تهدف بيان شريعته التي هي رحمة كبرى، وهذه الرحمة تتكامل مع الفطرة التي جعلها الله تعالى للإنسان ليتوجَّه بها إليهم وإليه سبحانه بعد أن يُقدِّره حق قدره.
فكما أنه سبحانه وتعالى غرز في ابن آدم حب الحياة- مثلًا- وحب المحافظة عليها، كذلك أعطاه منهجاً ينتهي إلى تكريس الحياة