شرح المنظومة ت حسن زاده آملي - السبزواري، الملا هادي - الصفحة ٢٧٢ - المقصد السادس في المعاد
و منه ما هو مدرك بالعقل و القياس البرهاني، و قد صدّقته النبوّة و هو السعادة و الشقاوة الثابتتان بالقياس اللتان للأنفس و إن كانت الأوهام منّا تقصر عن تصوّرها الآن لما نوضح من العلل ...»
٣- لنا تعليقات على العبارات المذكورة من إلهيات الشفاء هي في الحقيقة إشارات رشيقة و إيماءات دقيقة و أصول و أمّهات سديدة في هذه المسألة العليا التي هي الغاية القصوى كما يلي:
قوله: «إذا فارقت أبدانها ...» أي إذا فارقت أبدانها العنصرية لا الأخرويّة، لأن النفس لها أبدان كثيرة طولية، و التفاوت بينهما بالكمال و النقص، و مفارقتها عن أبدانها مطلقا لا تساعدها شواهد البرهان: منها أن النفس مظهر و آية عظمى لبارئها، و البارئ جلّت عظمته لا يخلو عن مظاهره و مجاليه لأن الرب المطلق بلا مظاهر لا يصحّ عقلا التفوّه به، و كذا العقول و النفوس قاطبة، إلّا أن المؤيد بتأييداته تعالى يفرق بين التعلق التدبيري التكميلي و بين التعلق التدبيري الاستكمالي. و قد أشرنا في هذه الجمل إلى كنوز رموز يغتنمها من أخذت الفطانة بيده.
و أمّا البدن في قوله الآتي: «و هو الذي للبدن عند البعث» فهو البدن الأخروي و الظرف ناصّ عليه، و لذا قال صدر المتألهين في شرح الهداية الأثيرية (ط ١- ص ٣٧٦) ناظرا إلى قول الشيخ هذا و مفسّرا إياه: «إن المعاد على ضربين ضرب لا يفي بوضعه و كنهه إلا الوحي و الشريعة و هو الجسماني باعتبار البدن اللائق بالآخرة و خيراته و شروره ...»
قوله: «و هو الذي للبدن عند البعث» الظرف أعني عند البعث نصّ على أن المراد من البدن هذا هو البدن الأخروي. و غرض الشيخ العظيم من قوله: «و خيرات البدن ...» بيان كون الجزاء وفاقا للعمل، و سرّ ذلك الوفاق حيث قال عزّ من قائل: «جَزاءً وِفاقاً» خارج عن طوق أفكارنا، كما أن تفرع الأثمار على أشجارها غير معلوم لنا، و أنّى لنا أن ندرك كيفيّة إثمار هذه الشجرة هذه الثمرة، و تلك الشجرة تلك الثمرة، و أنى لنا أن نصل إلى كيفية بروز عنقود العنب من الكرم مثلا و إن كنّا نعلم أن الجزاء في طول العمل و متفرع عليه، بل الجزاء نفس العمل، و لكن الشريعة المحمديّة بيّنت ذلك الوفاق على التفصيل و بسطته حيث لا مزيد عليه. و لا يخفى عليك أن الشيخ تكلّم في المقام بكلام رصين و عميق بعيد الغور، و قد تخلّص عن أقاويل من لم يكن لهم حظّ من أسرار الشريعة إلا مباحث الألفاظ و مفاهيمها الظاهرة.
و اعلم أن صدر المتألهين- قدس سرّه- في البحث عن المعاد من شرحه على الهداية الأثيرية ناظر إلى بيان مراد الشيخ في هذا المقام من الشفاء حيث قال (ط ١- ص ٣٧٦): و ممّا يجب أن يعلم قبل الخوض في تلك المقاصد أن المعاد على ضربين: ضرب لا يفي بوصفه و كنهه إلا الوحي و الشريعة و هو الجسماني باعتبار البدن اللائق بالآخرة و خيراته و شروره و العقل لا ينكره، و ضرب يمكن تصحيحه من جهة النظر و القياس و الشرع لا ينكره بل ربما يشير إليه إشارات مقنعة و عبارات مشبعة ...».
و اعلم أن مفاد الجسم في عبارات هؤلاء الأعاظم بمعنى تحقق الشيء و تقرّره و تأصّله، لا بمعناه