شرح المنظومة ت حسن زاده آملي - السبزواري، الملا هادي - الصفحة ١٦٩ - غرر في العقل النظري و العقل العملي
ذلك بالعقل النظري. إذ العمل لا يتأتى بدون العلم، مثلا لنا مقدمة كلية، و هي أنّ كلّ حسن ينبغي أن يؤتى به، و قد استخرجنا منه، أن الصدق ينبغي أن يؤتى به، لأنّ الصدق حسن، و كلّ حسن ينبغي أن يؤتى به ينتج أنّ الصدق ينبغي أن يؤتى به، و هذا رأي كلّي أدركه العقل النظري.
ثمّ إنّ العقل العملي، لما أراد أن يوقع صدقا جزئيا، يقول: هذا صدق، و كلّ صدق ينبغي أن يؤتى به، فهذا الصدق ينبغي أن يؤتى به، و هذا رأي جزئي، أدركه العقل النظري أيضا. لكن العقل العملي، إنّما يفعل هذا الصدق للعلم بذلك الجزئي [١١]، فالعقل العملي، بل النّفس إنّما تصدر منه الأفعال، لآراء جزئية تنبعث عن آراء كلية عندها، مستنبطة من مقدمات بديهية أو مشهورة أو تجربية» انتهى [١٢].
ثمّ، إنّ لكلّ منهما أربع مراتب [١٣]، و قد أشرنا إلى مراتب الأول بقولنا:
[١١] أي باستعمال القوى في الفعل و الإدراك الجزئيين كما بيناه في الحاشية التي قبل هذه.
[١٢] شرح الإشارات و التنبيهات، ج ٢، ح ص ٣٥٣، ط دفتر نشر الكتاب. (م. ط)
[١٣] ناظر إلى الفصل العاشر من النمط الثالث من الإشارات، و شرح المحقق الطوسي عليه كما قد أشرنا إليه آنفا، فقال الشيخ: «و من قواها ما لها بحسب حاجتها إلى تكميل جوهرها عقل بالفعل فأولاها قوة استعدادية لها نحو المعقولات، و قد يسمّيها قوم عقلا هيولانيّا و هي المشكاة ...».
و قال المحقق الشارح: «و هذه إشارة إلى قوى النفس النظرية بحسب مراتبها (الأربع) في الاستكمال، و تلك المراتب تنقسم إلى ما يكون باعتبار كونها كاملة بالقوة، و إلى ما يكون باعتبار كونها كاملة بالفعل، و القوة مختلفة أيضا بحسب الشدّة و الضعف (لأن الاستعداد إما ضعيف أو متوسط أو شديد بحسب مراتب الأمزجة) فمبدؤها كما يكون للطفل من قوة الكتابة، و وسطها كما يكون للأمي (في سنّ الترعرع) المستعدّ للتعلّم (أي لتعلّم الكتابة) و منتهاها كما يكون للقادر على الكتابة الذي لا يكتب و له أن يكتب متى شاء.
فقوة النفس المناسبة للمرتبة الأولى تسمّى عقلا هيولانيا، تشبيها إياها حينئذ بالهيولى الأولى الخالية في نفسها عن جميع الصور، المستعدة لقبولها، و هي حاصلة لجميع أشخاص النوع في مبادي فطرتهم.
و قوّتها المناسبة للمرتبة المتوسطة تسمى عقلا بالملكة و هي ما يكون عند حصول المعقولات الأولى التي هي العلوم الأولية بحسب الاستعداد لتحصيل المعقولات الثانية التي هي العلوم المكتسبة.
و مراتب الناس تختلف في تحصيلها (أي في تحصيل المعقولات الثانية): فمنهم من يحصّلها بشوق ما