شرح المنظومة ت حسن زاده آملي - السبزواري، الملا هادي - الصفحة ١٣ - الفريدة السادسة في أحوال النفس
الفريدة السادسة في أحوال النفس [١]
[١] و قد أجاد صدر المتألهين- قدس سرّه- في نفس الأسفار حيث قال: «مفتاح العلوم بيوم القيامة و معاد الخلائق هو معرفة النفس و مراتبها» (الأسفار- ط ١- ج- ٤- ص ١٧٣)، و كذا ما أفاد في شرحه على الهداية الأثيرية (ط ١ من الحجري- ص ٧- س ٢) حيث قال: «علم النفس هو أمّ الحكمة و أصل الفضائل، و النفس هي العادة الماسحة، و هي أمّ الصناعة و معرفتها أشرف المباحث بعد إثبات المبدإ الأعلى و وحدانيّته، و الجاهل بمعرفتها لا يستحقّ أن يقع عليه اسم الحكمة و إن أتقن سائر العلوم فالعلم المشتمل على معرفتها أفضل من غيره».
أقول: و حيث إن الفلسفة معرفة الإنسان نفسه، و معرفة النفس محور جميع العلوم العقلية و النقلية ربط السفير الأعظم الإلهي معرفة الربّ بمعرفة النفس فقال: «من عرف نفسه فقد عرف ربّه» فإنّ من عرف نفسه فوق ما يعرف بالتنزيه و التشبيه، و جمع في معرفتها بينهما، و وجدها موصوفة بهما أيضا، فقد جمع في معرفة ربه بينهما كذلك، و نال بمعرفة نفسه درجة الكمال في العلم باللَّه تعالى في ذاته و صفاته و أفعاله، و ذلك لأن باطن النفس الإنسانيّة تنزيه و ظاهرها تشبيه، و هي عالية في دنوّها و دانية في علوّها. و المرويّ عن كشّاف الحقائق إمام الملك و الملكوت صادق آل محمد- عليهم الصلاة و السلام-: «الجمع بلا تفرقة زندقة، و التفرقة بدون الجمع تعطيل، و الجمع بينهما توحيد»، فافهم.
و قد صنّف أعاظم العلماء صحفا نورية و كتبا قيّمة في معرفة النفس، و أقاموا فيها براهين قاطعة على أنّ النفس الناطقة الإنسانيّة جوهر غير مخالط للمادة، بريئة عن الأجسام، منفردة الذات بالقوام و العقل، روحانية النسج و السوس، لا تفسد بفساد بدنها العنصري، بل باقية ببقائها الأبدي، و على أن الإيقان بالمبدإ و المعاد المفضي إلى تحصيل السعادة الأبدية معلّق بإثباتها. و أنّ من أخلد إلى الأرض يتوهّم بفطانته البتراء أن المادة هي الأصل، و أن الإنسان هو هذه البنية المحسوسة و الجثة الملموسة فقط، فإذا تلاشت و اضمحلّت لم يبق منه شيء، فينكر الأصل الأصيل الذي هو فوق الطبيعة و ورائها، و لا يعلم أن جوهر الإنسان ليس من الجواهر المركّبة الممنوّة بالكون و الفساد.
و قد صنّف كثير من أعاظم العلماء من قديم الدهر إلى زماننا صحفا نورية قيّمة في معرفة النفس الإنسانية و أقاموا فيها براهين قاطعة على تجرّدها و بقائها الأبدي و إن لم تكن في حدوثها مجردة