شرح المنظومة ت حسن زاده آملي - السبزواري، الملا هادي - الصفحة ١٢٧ - غرر في ذكر الأدلة على تجرد النفس الناطفة
بيانه: إنّا نعقل ذواتنا، و المعقول بالذات لا بدّ، و أن يكون وجوده للعاقل، بل كلّ مدرك بالذات وجوده في نفسه عين وجوده للمدرك، فإذن ذاتنا، حاضرة لذاتنا، أي ليست موجودة للمادة. [٥] و كل مادّي موجود للمادة. فنفوسنا ليست مادّية. و لا يمكن أن يكون إدراكنا لذاتنا، بحصول صورة مساوية لذاتنا في ذاتنا، لامتناع اجتماع المثلين، و أيضا في العلم الصوريّ المعلوم بالذّات. أنّما هو الصورة، و هو هو. و نحن نعلم ذواتنا بما نحن نحن.
و الثاني، قولنا: كذا، أي كذا يرى تجرّد النفس الناطقة [٦] تجرّد الذوات المرسلة،
[٥] إذ لو وجدت للمادة لكانت حاضرة لها، و لو كانت المادة حية شاعرة لكانت ذاتنا معقولة لها لا لذاتنا هذا خلف. و اللازم في حضور الذات للذات، مثل ما في الموجود لذاته و القائم بذاته المستعملين في الواجب بالذات، و مثل القائم بذاته في الجوهر، أي ليس موجودا لغيره و قائما بغيره كالحالات في غيرها، لا أن هاهنا ذاتا قائمة و ذاتا متقوما بها و موجودا مربوطا و موجودا مربوطا إليه، ثمّ أن صورة القياس على هيئة الشكل الثاني كما لا يخفى.
[٦] هذا الدليل هو البرهان الثاني على تجرّد النفس الناطقة في نفس الشفاء (ص ٢٩٤ من تصحيح الراقم و تعليقه عليه): «فنقول إن القوة العقلية هو ذا تجرّد المعقولات عن الكم المحدود و الأين و الوضع ...»، و أتى به في كتابه النجاة أيضا (ط مصر- ص ١٧٧)، و في الفصل الخامس من رسالته في النفس و بقائها و معادها (ط مصر- ص ٨٤ بتصحيح الأهواني)، و من مجموعة الرسائل الفلسفية (ط إستانبول- ص ٢٩).
و هذا البرهان هو الحجة الخامسة عشرة من كتابنا «الحجج البالغة على تجرّد النفس الناطقة و لنا أيضا خوض عظيم في بيان هذا البرهان في ذلك الكتاب فراجعه.
و هذا الدليل هو الحجة الثالثة على تجرد النفس الناطقة في الأسفار (ط ١- من الرحلي- ج ٤- ص ٦٨). و هو البرهان الأول على تجردها في أسرار الحكم و قد أجاد في ترجمته و أفاد بما هو المراد (ص ٢٣٩ بتصحيح الأستاذ العلامة الشعراني- قدّس سرّه- و تعليقاته عليه) و سيأتي نقله.
و خلاصة هذا الدليل أن الصور العلمية العقلية مرسلات كلّية و مطلقات نورية فوعاؤها المتّهب كوعائها الواهب أيضا كذلك فالعلم و وعاؤه مطلقا من وراء عالم المادة، و إن كان التعبير عن الوعاء أو المحلّ أو الموضوع أو أترابها على التّوسّع، و الأمر أرفع من نحو هذه التعبيرات.
و هذا الدليل مبتن على ثلاث مقدمات: إحداها أن العلم و التعقّل إنّما هو بحصول صورة المعقول عند العاقل، و ثانيتها أن الصور المعقولة غير ذات مقدار، و ثالثتها أن ما لا يتقدّر أي المجرّد عن المقدار لا يحل في متقدر أي في ذي مقدار فانتجت أن الجوهر العاقل لهذه الصورة المجرّدة أي النفس الناطقة الإنسانية مجرد عن الجسم و أحكامه فهو موجود نوري بسيط من فوق عالم الطبيعة و ورائها. (ح. ح)