شرح المنظومة ت حسن زاده آملي - السبزواري، الملا هادي - الصفحة ٣٥١ - الفريدة الرابعة في دفع شبهات تورد على القول بالمعاد الجسماني
نفسا و بدنا، ففي تلك النشأة يتلى الكتابان دفعة واحدة [٢٥]، و ينظر آياتهما نظرة واحدة، لا على الولاء، و لكن من كان ذا نفس مجردة [٢٦] في هذه النشأة يستشعر هناك بما أعطي، و يدرك بالعلم التركيبي [٢٧] ما يدرك، «وَ مَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى، فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى» [٢٨]، «فاعرف نفسك، تعرف ربّك» [٢٩] و [٣٠]
صالحا فإنه إن صلح أنست به و إن فسد لا تستوحش إلا منه و هو فعلك.
و حيث إن الإنسان ليس إلّا علمه و عمله فحقيقة أفعاله و أقواله و نيّاته مطلقا ما طارت منه و إن كان ظاهرها قد طار منه، و لكن الظاهر كما دريت متصرم مع الزمان و باطنها قد صارت عين نفسه فتدبّر حقّ التدبّر كلام اللّه سبحانه: وَ كُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَ نُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً، اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً (الإسراء- ١٥). و إنما قال يمكن أن يكون هذا المعنى- أعني ذكر الكتاب الأنفسي و صحيفة الأعمال- بالعرض لأنّ الغرض منه هذه الفريدة أوّلا كما دريت هو في دفع شبهات تورد على المعاد الجسماني فتدبّر. (ح. ح)
[٢٥] كما في الآثار: «إن عليّا (ع) كان إذا ركب يتلو جميع القرآن يشرع إذا وضع إحدى رجليه في ركاب و يختم إذا وصل الأخرى إلى آخر».
[٢٦] لعلّ أثرنا القيّم الموسوم ب «انسان در عرف عرفان» يجديك في ذلك المرصد الأسني. (ح. ح)
[٢٧] هو على قياس الجهل التركيبي العلم بالشيء و العلم بالعلم و العلم بأن المعلوم ما ذا بخلاف من كان أعمى بنفسه و بّريه، فيحصل له إدراك بسيط بصور أعماله كالبرق الخاطف من غير أن يكون مقاما له، فإن مقامه التجرّد البرزخي لا التجرد الحقيقي.
لكن في المقام إشكال: و هو أنه لا بدّ أن يكون إدراك كل واحد و فعله هناك دفعة واحدة بلا تجدد و تعاقب، إذ القوة و الاستعداد مفقودان هناك، و الهيولى من خاصية هذه النشأة الطبعية. «و الدنيا إنما هي مزرعة الآخرة و اليوم الآخر يوم الحصاد»، فجميع ما هي من لوازم أعمالهم و ملكاتهم، لابدّ أن يتمثل لهم دفعة واحدة، مع أنه لا يساعده الكتاب و السنة، لورودهما بتجدّد الأحوال و الأفعال هناك للفريقين.
و حلّ الإشكال: قد مرّ في «حواشي الأمور العامة» عند البحث عن الوجود الذهني، فارجع فإن الإشكال يندفع إنشاء اللّه تعالى.
[٢٨] سورة الإسراء، آية ٧٢.
[٢٩] تحف العقول ابن شعبة حراني، ص ٢٤١، كلام الصادق (ع) في وصف التوحيد و الإيمان، ط بيروت، مؤسسة أعلمي. (م. ط)
[٣٠] قال الراغب في رسالته «تفصيل النشأتين و تحصيل السعادتين»: «قد روي أنه ما أنزل اللّه من كتاب إلّا و فيه: اعرف نفسك يا إنسان تعرف ربك» (ط صيدا- ص ١١). و راجع كتابنا سرح العيون في شرح العيون (ط ١- ص ٤٨). (ح. ح)