الحاشية على الإلهيات - الملا صدرا - الصفحة ٨٩ - الفصل الثاني في بيان أقسام الوحدة
و الوحدة بالاتصال إما معتبرة مع المقدار فقط و إما طبيعة أخرى مثل أن يكون ماء أو هواء و يعرض الواحد بالاتصال أن يكون واحدا في الموضوع إلى آخره قد علمت أن الوحدة في كل شيء هي عندنا وجوده و قد مر أن الاتصال أعني المقدار نوع من الوحدة و المقدار مقدار شيء لا محالة كالماء و الهواء فبالحقيقة المقدار الجسماني هو وحدة الجسم و وجوده و السطح إنما يحصل من انتهائه و انقطاعه و كذا الخط إنما يحصل من انقطاع السطح و كذلك حكم العدد في أنه عدد لشيء و أنه مؤلف من وحدات هي غير زائدة على وجودات الأشياء بل على ماهياتها في اعتبار العقل فإذا تقرر هذا فنقول لا بد أن يكون مع الاتصال ماهية أخرى مثل ماء أو هواء أو غيرهما ليكون وحدتها الاتصالية نحو وجودها و لا بد أن يكون موضوع الوحدة الاتصالية موضوعا غير مؤلف من ماهيات متخالفة خلافا لبعض المدققين حيث تمسك بعبارة بهمنيار في التحصيل و هي أن كلما وحدته بالفعل كثرته بالقوة فزعم أن أعضاء الفرس مثلا كلها متحصلة موجودة بوجود واحد و المراد مما نقله منه على تسليم حقيقته هو أن ما له وحدة بالفعل تكون الكثرة التي تقابل تلك الوحدة هي بالقوة و هاهنا أي المؤلف من متخالفة الماهية ليست له وحدة بالاتصال بل لو كانت لكانت من جهة أخرى نعم لو كان مراد هذا المدقق أن حقيقة الفرسية مثلا غير متقومة من الأبعاض البدنية كالعظم و اللحم و غيرهما لكان له وجه كما سيأتي و بالجملة موضوع الوحدة الاتصالية غير مختلف و لا متألف من حقائق مختلفة لما ذكرنا من أن متصلية الشيء هي وجوده و الاتحاد في الوجود يوجب الاتحاد في الماهية بالفعل كما أن الاختلاف في الماهية يستدعي الاختلاف في الوجود فإذن كلما هو واحد بالاتصال فهو واحد بالموضوع سواء أريد بذلك الاتصال نفس المقدار أو الطبيعة المقدرة كالماء و الهواء فيكون كل متصل واحدا بالموضوع أو موضوعا واحدا و الصورة الواحدة أيضا يصح أن يقال إنها واحدة بالموضوع أعني بالمادة و كذا يلزم الواحد بالاتصال أن يكون واحدا أيضا في الطبيعة لكن هاهنا شبهة استصعبوا حل عقدتها و هي أن الأجزاء الوهمية للمتصل ليست معدومة صرفة إذ العقل بمعونة الوهم يحلله إليها و لا يمكن تحليل الموجود إلى معدومات صرفة كيف و كثيرا ما يصير موضوعات لموجبات صادقة كقولنا بعض هذا المتصل حار و بعضها بارد أو نصفه ذراع أو مواز لكذا و الحكم الإيجابي يستدعي وجود الموضوع فإذا إذا كانت أجزاء المتصل الواحد موجودة بوجود واحد و ليس الحمل مبناه إلا الاتحاد في الوجود فاتحادها في الوجود يوجب صحة حمل بعضها على بعض و على الكل و حمل الكل على البعض بأن يقال هذا الذراع نصفه أو ثلثه أو نصف الذراع ذراع أو نصفه ثلثه و قد أجيب عنها بأجوبة سخيفة يطول ذكرها من غير فائدة و تفصى عن هذه الشبهة بعض أجلة المتأخرين بأن الحمل مطلقا و إن كان هو الاتحاد في الوجود لكن التعارف الخاصي خصه بذلك مع عدم التمايز في الوضع كما خصه من بين مطلق الاتحاد بالاتحاد في الوجود و يقتضي اثنينية ما إذ لو كانت الوحدة الصرفة لم يتحقق الحمل أو الكثرة الصرفة لم يصدق و كما أن الوحدة على جهات شتى كالنوعية و الجنسية فكذلك الحمل حتى إنه كان يجري في جميع أقسامها إلا أن أشهر أفراده هو الاتحاد في الوجود إذ لا يقال في المتعارف زيد عمرو من حيث اشتراكهما في النوع و الثلج هو الجص من حيث اشتراكهما في عرض هو البياض فلذلك قبل الحمل هو الاتحاد في الوجود انتهى و أنت تعلم أن التخصيص لا يناسب طور الحكمة ثم إنه ليس الكلام في إطلاق لفظ الحمل بحسب عرفهم الخاص ليجوز فيه تخصيص آخر بل المراد أن الحمل أعني هو هو عبارة عن الاتحاد في الهوية و الوجود و ليس مبنى هذا التخصيص على التعارف في اللفظ بل على كون سائر أنواع الوحدة غير صالحة لصحة الحمل إلا الاتحاد في الوجود إذ الهوية عين الوجود و الهوية عين الاتحاد في الوجود ثم العجب كل العجب في أنه استفاد من قولهم أن زيدا و عمروا واحد في النوع و أن الثلج و الجص واحد في العرض و أن البياض و الحلاوة واحد في الموضوع أنه صح في الواقع أن يقال إن زيدا عمرو و الجص ثلج و البياض حلاوة لكن العرف يمنع عن ذلك و ليت شعري كيف يسوغ عند العقل أن يقال لمتباينات في الوجود بمجرد أن لها جهة من الوحدة خارجة عن ذواتها أن يقال
هوية هذا هوية ذاك أو يقال هذا بعينه ذاك و الحاصل أن الهوية هو معنى حقيقي من بين المعاني