الحاشية على الإلهيات - الملا صدرا - الصفحة ٨٥ - في بيان الاختلاف في عرضية بعض الاعراض
العدد الذين جعلوا هذه المقادير مؤلفة من الوحدات و جعلوا مبادي المبادي لعلهم ذهبوا إلى هذا القول إما لأنهم كانوا قائلين بالجواهر من ذوات الأوضاع فكان الخط و السطح و الجسم كلها مؤلفة عندهم من الوحدات الوضعية فكان الكل الجواهر و لعل مرادهم بالمبدإ مبدأ المبادي لا الفاعلي كما ينقل عن بعض السابقين أنهم قالوا تحركت النقطة فحصل منها الخط و حصل من حركة الخط السطح و من حركة السطح الجسم و إما لأنهم كانوا يقصدون بهذه الألفاظ غير هذه المعاني المشهورة على طريق الرمز كما هو عادة الأقدمين و إلا فلا معنى لكون النقطة مبدأ لشيء فكيف للأشياء قوله ثم قالوا إن الوحدة طبيعة غير متعلقة إلى آخره هذه المقدمات بعضها صحيح و بعضها فاسد و بعضها يحتمل الأمرين فالصحيح قولهم إن الوحدة كالوجود في كل شيء لأنها من الأمور العامة و أنها كالوجود زائدة على الماهية لا في الخارج بأن يكون للشيء الواحد وحدة و لوحدته وحدة أخرى و إلا لكانت لكل منها وحدة أخرى فيتسلسل بل في الذهن بحسب الاعتبار و المفهوم لا بحسب الهوية و الوجود فوحدة الماء غير ماهية الماء و وحدة الناس غير ماهيته و كذا قولهم الوحدة بما هي وحدة مستغنية أن يكون ماهية من الماهيات الكلية و لا يكون في شيء مخصوص من الأشياء بل هي في كل شيء بحسبه فوحدة الماديات مادية و وحدة المفارقات مفارقة و وحدة المتصلات عبارة عن متصليتها و قبولها للأجزاء الوهمية و للكثرة بالقوة و كذا القول بأن كل شيء فإنما يصير هو ما هو في نفس الأمر بأن يكون واحدا متعينا و أن ماهيته غير معنى كونه واحدا و أما المحتمل للوجهين فمن ذلك قولهم فيكون الوحدة مبدأ للخط و السطح و لكل شيء فإن كان المراد أن الوحدة في كل شيء عين وجوده الخاص به يوجد حيثما وجد كما بالوجود فمما له وجه كما ذهبنا إليه فبالوجود يصير الأشياء موجودة و به صارت ماهياتها محمولة صادقة على أنفسها فإن الإنسان مثلا ما لم يصر موجودا لا يصدق على شيء أنه إنسان لست أقول إن ماهية الإنسان من حيث هي هي ليست بإنسان بالحمل الذاتي الأولى بل أقول إن الشيء ما لم يوجد لم يصدق عليه نفسه بالحمل المتعارف الشائع الذي مبناه الاتحاد في الوجود فكما أن الوجود الخاص بكل شيء مبدأ تحققه كذلك الوحدة لأنها عين الوجود و إن كانت غيره مفهوما و أما إن كان مرادهم به أن الوحدة مبدأ فاعلي للخط و السطح و غيرهما أو أنها بحركتها تفعل الخط و بتوسط الخط تفعل السطح و غيره فهو فاسد لا وجه له و كذا صح قولهم إن السطح لا يكون سطحا إلا الوحدة الاتصالية الخاص به فقد مر أن وحدة المتصلات بما هي متصلات ليست إلا متصليتها سواء كانت سطوحا أو خطوطا أو غيرهما و كذا قولهم أيضا إن النقطة وحدة ما ذات وضع لا يخلو عن وجه صحة إن كانت لها وجود و إن كانت محض الانقطاع و النهاية فلا و من ذلك قولهم إن الوحدة علة كل شيء فإن أرادوا بها الوحدة الواجبية التي هي عين ذاته تعالى فصح كونها علة كل شيء و أما الفاسد فمن ذلك قولهم أول ما يتكون و يحدث عن الوحدة العدد فإن العدد هي كثرة متألفة من الوحدات المتماثلة و هي لا يكون إلا في الماديات فكيف يكون هي أول الحوادث و كيف يكون هي متوسط بين الوحدة و بين كل شيء و كذا قولهم الخط ثنائية وضعية و السطح ثلاثية وضعية و الجسم رباعية وضعية و كذا ما تدرجوا إليه كلها بحسب الظاهر أمور باطلة و لا يمكن تصحيحها بالبيان القياسي قوله فيجب علينا أولا أن نبين أن المقادير إلى آخره معناه واضح و وجه التقديم و التأخير في هذه المقاصد الثلاثة أن بيان ماهية الشيء و تعريفها و تحديدها و تقسيمها الذي هو أيضا من باب القول الشارح أقدم من إثبات نحو وجودها و كون الاشتغال بإثبات نحو وجود الشيء و معرفته بالبرهان أخرى بالتقديم من الاشتغال بدفع شكوك المشككين لأن المقصود في الأول تكميل العارف نفسه و في الثاني غالبا إصلاح حال الغير و مصلحة النظام و تكميل النفس أهم من إصلاح الغير فيكون أولى بالتقديم قوله و الأولى بنا أن نعرف طبيعة الواحد إلى آخره لما كانت الوحدة مساوقة للوجود و هي كالوجود من المعاني الوجودية الشاملة فينبغي أن يبحث عن حقيقتها و عن أقسامها بعد البحث عن طبيعة الوجود و تعريف أقسامه الأولية من الواجب و الممكن و الجوهر و العرض فاللائق بهذا البحث و التعريف أن يقع في
هذا الموضع إذ قد وقع الفراغ هاهنا عن معرفة الواجب و الممكن و هما قسمان حاصران للموجود و عن معرفة الجوهر و العرض و هما قسمان حاضران للممكن و عن تعريف الأقسام الحاصرة للجوهر و عن إثبات بعضها و الإشارة إلى البعض فالمناسب حينئذ أن يقع الخوض في معرفة الواحد بما هو واحد و أقسامه الحاصلة من جهة الوحدة لهذا الوجه و بوجه آخر نذكره و هو أن البحث عن أقسام العرض و أجناسه العالية مما يقع أولا في الكم و الواحد كالمبدإ الفاعلي