الحاشية على الإلهيات - الملا صدرا - الصفحة ٩٤ - في أن العدد عرض
و الكثرة من الأمور التي صورتها عين المادة فلا صورة لها و لا فصل فلا جنس لها فالكثرة ليست كالجنس للعدد و المؤلف من الوحدات كالفصل لها إذ لا مغايرة بينهما في المفهوم فقول من قال إن الكثرة مؤلفة من الوحدات كقول من قال إن الكثرة كثرة أو المؤلف مؤلف إذ كل منهما اسم لمعنى الآخر يعني أنهما مترادفان و التعريف بالمرادف تعريف للشيء بنفسه قوله فإن قال قائل إن الكثرة قد يؤلف من غير الوحدات و من هذا القائل أن يجعل الكثرة أعم من الكثرة الحاصلة من الوحدات و الكثرة الحاصلة من غير الوحدات أي الأشياء المعروضة لها ليكون الكثرة بمنزلة الجنس و يكون المؤلف من الوحدات بمنزلة الفصل و يكون مجموعهما عنده حدا مساويا للعدد الذي هو المعرف و اندفاعه ظاهر فإن الفرق كما هو حاصل بين الوحدات و الواحدات كذلك حاصل بين الكثرة و الكثير و العدد و المعدود فكما أن الوحدات أمور عارضة و الوحدات كالناس و الدواب و الأنعام موضوعات لها كذلك الكثرة عارضة و الكثير أشياء موضوعة لها و إن أريد بالكثرة نفس الكثرة بما هو كثرة لا أشياء غيرها هي كثرة كذلك يجب أن يراد من الوحدات نفس الوحدات و بالجملة العارض بإزاء العارض و الموضوع بإزاء الموضوع و المبدأ أي الوحدة في الوحدات بإزاء المبدإ أي الواحد في الوحدات فظهر أنه لا فرق بين الكثرة و المؤلف من الوحدات بأي وجه اعتبر قوله و الذين يحسبون أنهم إذا قالوا إن العدد كمية منفصلة إلى قوله فقط إلى آخره معناه واضح قوله فنقول لأن الوحدة إما أن يقال على الأعراض و إما أن يقال على الجواهر و إذا قيلت على الأعراض فلا يكون جوهرا لما فرغ من بيان ماهية الواحد و الكثير أراد أن يتبين نحو وجودهما و قد ذهب الشيخ وفاقا لجمهور المشائين إلى أن الوحدة عرض و مجموع الأعراض أولى بالعرضية فالعدد أيضا عرض و استدل على عرضية الوحدة بأنها لا يخلو إما أن يكون مقولة على العرض أو على الجوهر فإن كانت مقولة على العرض فهي عرض لا محالة و إذا كانت مقولة على الجوهر فلا يكون قولها عليه كقول الداخل في مفهوم الشيء عليه إذ الوحدة كما ليس مفهومها عين مفهوم شيء من أنواع الجواهر ليس أيضا و اختلافه فلا يكون جنسا لها و لا فصلا و لا عينا لها فيكون لا محالة عرضا لازما إذ المحمولات المقولات على شيء منحصرة في جنسه و فصله و نوعه و عرضه سواء كان أعم أو مساويا أو أخص و حيث لم يكن الوحدة أحد الثلاثة الأول فيكون عرضا فيكون الجوهر المقول عليه الوحدة واحدا و الوحدة محمولا عرضا له و هذا العرض الذي هو أحد الكليات الخمس و إن أمكن أن يكون جوهرا في ذاته إذ لا منافاة بين العرض بهذا المعنى و الجوهر إنما المنافاة بينه و بين الجوهري فالشيء كما يمكن أن يكون عرضا بالمعنى القابل للجوهر و جوهريا كذلك يمكن أن يكون عرضا بالمعنى القابل للذاتي و جوهرا أي موجودا لا في موضوع إلا أن ذلك إنما يمكن في المركبات من المادة و الصورة كالأبيض المركب من الجسم و البياض فالجسم بمنزلة الجزء المادي لماهية الأبيض و البياض بمنزلة الصورة و لا يخفى أن هذا المثال مثال لما كان الجوهري فيه عرضا مقابلا للجوهر لا ما كان العرضي فيه جوهرا مقابلا للعرض و المقصود أن في المركبات الطبيعية يوجد محمول عرضي بالقياس إلى ما هو جنس للمركب يكون جوهرا لكونه موجودا لا في موضوع بل في مادة و أما طبيعة المعنى البسيط النسبية التي لا توجد وجودا مغايرا لوجود ما هي فيه فهي الأمر الخارج عنه عرض لا محالة بالمعنى الآخر المقابل للجوهر إذ هو موجود في الجوهر و ليس كجزء منه و لا يصح قوامه مفارقا عن ذلك الجوهر و يحتمل أن يكون مراده بالمركب المفهوم المشتق و بالبسيط مبدأ الاشتقاق و هو المعنى المصدري و عرضه أن المشتق كالناطق يكون جوهرا في نفسه مع كونه عرضيا بمعنى آخر إذا كان فصلا لجنس جوهري كالحيوان و أما مبدأ الاشتقاق كالنطق فهو عرض بتة لكونه موجودا في الجوهر لا كجزء منه و لا يصح مفارقته هذا توضيح هذا الاستدلال على عرضية الوحدة و أقول فيه موضع أنظار و قيل الخوض فيها نقول يجب أن يعلم أولا أن حقيقة الوحدة كالوجود من الأمور العينية ليست من باب السلوب و الاعتبارات الذهنية و المعقولات و نعلم أيضا أنها من الأمور التي لا يخلو شيء من الأشياء في مرتبة من المراتب عنها و كل ماهية موجودة بأي حيثية أخذت ففي تلك
الحيثية واحدة و أن لم يكن وحدتها من تلك الحيثية و يعلم أيضا أنها كالوجود مشترك اشتراكا معنويا بين الوحدات و الواحدات كأنها مقولة بالتشكيك على أفرادها بالأولوية و الأقدمية و الأشدية فلا يكون ماهية لشيء من الأشياء و لا جنسا و لا نوعا لها و هي أيضا كالوجود متحدة مع الماهيات في الوجود زائدة على معناها بحسب التصور و ذلك لأنها لو لم يكن وحدة زيد مثلا عين وجوده بأن يكون لزيد مثلا وجود و لوحدته وجود آخر فحصل هناك وجودان فلهما وحدتان إذ يستحيل حصول الاثنينية دون الوحدتين إذ كل موجود فله وحدة فنعيد الكلام إلى وحدة كل منهما أعني زيدا و وحدته تارة أخرى و إلى وجودها و وجود زيد و إلى وجود وحدة الوحدة و وجودها