الحاشية على الإلهيات - الملا صدرا - الصفحة ٦٨ - في إبطال إتحاد الجوهرين
للانقسام إلى آخره لما ثبت من قاعدة نفي الاتحاد الحقيقي بين الشيئين أنه لا يمكن توحيد الكثير و لا تكثير الواحد إلا بالمعنى الآخر الذي يختص بالمقادير و المتقدرات و هو الفصل و الوصل بين الجسمانيات أو الانفعال بنحو آخر كالتخلخل و التكاثف فيتفرع عليه هاهنا قاعدة أخرى يتضح بها نفي اتحاد الهيولى بهيولى آخر عند التجرد بل تجرد الهيولى مزيد اتضاح و هي أن كل من شأنه أن ينقسم في وقت من الأوقات و يتكثر فلا بد أن يكون في طباعه و حقيقة ذاته استعداد القسمة المقدارية بأن يكون ذلك الاستعداد ذاتيا مضمنا في حقيقته و إن منعه عن قبول الانقسام و خروجه من القوة إلى الفعل مانع عارض سواء كان العارض لازما أو مفارقا كما في الفلك و الأجسام الصلبة المتأبية عن الانقسام و ذلك الاستعداد و منشؤه مقارنة المقدار فيمتنع حصوله إلا بالمقدار فثبت من ذلك أن الهيولى لا يمكن تجردها عن الصورة الجسمية لأنها شيء من شأنه أن ينقسم اثنين بعد أن كان واحدا و ذلك عند انفصال الجسم و أن يتحد بعد أن كان اثنين و ذلك عند اتصال الجسمين فإن قلت ما بال المقدار إذا طرأ عليه الانفصال انعدم و هو الذي به يستحق المادة الانقسام و ما باله إذا اتصل بمثله انعدم و هو الذي يستعد المادة للاتحاد قلنا لا منافاة بين كون الشيء مهيئا للمادة لأن يقبل شيئا مثله و بين انعدامه عند حصول المقبول إذ المثلان كالمتضادان لا يجتمعان في موضع فإذا حدث أحدهما زال الآخر و الحاصل أن وجود المادة وجود يلزمه قبول الوحدة و الكثرة فلا يقوم إلا بالمقدار فلا يمكن أن يتعرى عن الجسمية تفريع لما تبين و تحقق أن الهيولى في ذاتها و هويتها أمر جسماني لا يمكن لماهيتها نحو آخر من الوجود به يكون أمرا عقليا غير قابل للقسمة فلا يمكن للذهن أن يتصور أمرا يكون هو في ذاته هيولى إذ كل ما يتصور في الذهن فهو صورة عقلية و وجودها وجود غير قابل للانقسام لكن للذهن أن يتصور شيئا هو بعينه عنوان جوهر بالقوة غير متحصل بالهوية قابل للكثرة و الوحدة و ذلك العنوان أمر صوري عقلي غير قابل للقسمة أصلا فكل ما يحصل من الهيولى في الذهن يكون حقيقته غير حقيقة الهيولى أن يصير عنوانا لها و أن يحكم عليها بأحكام الهيولى بحسب الفرض و التقدير كما في القضايا الحقيقية و بهذا الوجه سيتضح الأحكام التي ذكرت في الاستدلال على نفي تجردها عن الجسمية
[في إبطال إتحاد الجوهرين]
قوله و لأن هذا الجوهر إنما صار كما بمقدار حله فليس بكم بذاته فليس يجب أن يختص ذاته لقبول قطر بعينه دون قطر إلى آخره يريد بيان صحة التخلخل و التكاثف الحقيقيين و هما نوعان من الحركة في الكم و ذلك ببيان أن الهيولى في ذاتها ليس بكم و إن كان وجودها غير منفك عن كمية ما و الدليل على مغايرتها في الوجود عن الكمية و المقدار قبولها الانقسام و الاتصال و الوحدة و الكثرة و لا كذلك نفس المقدار و كذا صورة الجسمية التي بها قوام الهيولى أمر مغاير للمقدار في الوهم فإذن نسبة الهيولى في ذاتها إلى سائر الأقطار و المقادير نسبة واحدة فلا يختص ذاتها من جهة ذاتها بقبول امتداد بعينه دون امتداد أطول منه أو أقصر و لا بقبول مقدار بعينه دون أكبر أو أصغر و إن كانت الصورة الجرمية الجوهرية واحدة في الصورتين لما علمت أن الصورة الجوهرية أيضا مما لا جزء لها معينا وهميا أو حسيا و لا تفاوت بين واحدة منها و واحدة أخرى في العظم و الصغر و غير ذلك بحسب ذاتها بل بحسب ما يعرضها من المقدار فهي أيضا مما لا يجب بحسبها و الاختصاص بقدر دون قدر فنسبة ما هو غير متحيز في ذاته كالهيولى أو غير متحيز تجزيا متعينا وهميا أو حسيا بل فرضيا عقليا فقط كالصورة الجسمية إلى أي مقدار معين نسبة واحدة و إلا لكان مقدار معين يطابق ما يساويه دون ما يفضل عليه أو ينقص عنه و الحال أنه غير متحيز و غير مختلف النسبة إلى كل و جزء فمحال أن يكون جزء منه في ذاته يطابق جزءا من المقدار و هو في ذاته معرى عن التجزي بالقوة القريبة نعم يمكن أن يتصف بذلك ثانيا و بالعرض فيحصل له من جهة المقدار جزء و كل فيطابق جزؤه جزء المقدار و كله كل المقدار كسائر الأوصاف التي يكون بالعرض كالتحيز و قبول الإشارة و الشكل و الحركة و غير ذلك فظهر مما ذكر أنه يمكن للمادة أن تصغر بالتكاثف و تعظم بالتخلخل و قوله هذا محسوس أي وجود التخلخل و التكاثف مما يثبت بإعانة الحس فإن الحس يشاهد انشقاق القارورة إذا ملئت ماء و أحكم صمامها و ألقيت في النار فيعلم أن الشق بزيادة المقدار لما في القارورة لا بسبب دخول النار من خارج إليها إذا لم يبق في داخلها مكان لما يفشوا فيها ثم ما الذي ألجأها إلى أن يدخل أضيق موضع من شأنها الخروج عنه بالطبع إلى جهة العلو و كذا يشاهد الحس دخول الماء في قارورة يمض ماؤها فيكب على الماء فيعلم النفس أن ذلك لأجل أن الماض يجذب بعض الهواء الذي فيها بالفم فلو لا حصل التخلخل في الباقي يلزم الخلاء و هو محال فإذا كب على الماء يدخل فيها صاعدا لرجوع الهواء الباقي إلى قوامه الأصلي لزوال القاسر و امتناع الخلاء و لو لا ذلك لما صعد الماء الذي