الحاشية على الإلهيات - الملا صدرا - الصفحة ٥٩ - في برهان الفصل و الوصل
و الوجه الخامس أن الامتداد الذي هو الصورة إما أن يكون واقعا بالفعل في الأعيان أو غير واقع فإن يكن واقعا في الأعيان فلا يتقوم به الجسم لأن الأمر العيني لا يتقوم بالأمر الذهني و إن كان واقعا في الأعيان فهو امتداد حاصل فيحصل للمادة الواحدة امتدادان و هو محال ثم إذا كان فيها امتدادان بالضرورة هو متناهيان و لكل واحدة منها مقدار إذ لا يتصور أن يكون امتداد بالفعل و ليس بمقدار واحدهما جوهري و الآخر عرضي فهل هما يتساويان أو يفضل أحدهما فإن فضل أحدهما في مادة واحدة امتدادان أحدهما أصغر و الآخر أكبر فإن تقدرت المادة بأحدهما يفضل الثاني على المادة فيكون بعضه لا في مادة و هو محال و إذا كان الامتدادان الجوهري و العرضي متساويين في جميع الجسم و لا امتياز بينهما فهما واحد من جهة الامتدادية و خصوص المقدار و المحل أقول في الجواب أما عن ما ذكره أولا أنه لا شبهة في أن للجسم سوى الاتصال النسبي الذي من باب الإضافة بكلا معنييه اللذين أحدهما من عوارض الكم المجرد و الثاني من عوارض المتكمم الطبيعي اتصالا بمعنى آخر و هو الاتصال الحقيقي و إنكاره مطلقا مكابرة محضة فإن الأبعاد كلها سواء كانت من باب العرض أو الجوهر ليست إلا اتصالات و متصلات حقيقة لكن المتبدلات أعراض و الباقي جوهر و قد برهن على وجوده بأن الموضوع للاتصال الكمي لا يمكن أن يكون أمرا معرى في ذاته عن الاتصال مطلقا كما في الهيولى نعم مادة الاتصال يجوز خلوها في حد ذاتها عنه و عن مقابله لأن تحصلها الوجودي إنما يكون بشيء من الصورة الاتصالية و لا وجود لها في ذاته على الاستقلال و أما عن ما ذكره ثانيا فبأن استدلاله على عرضية الاتصالات الشخصية بأنها يحدث و يبطل و الماهية الجسمية و النوعية باقية لا يتبدل مغالطة نشأت من الخلط و الاشتباه بين الفرد و الطبيعة فإن الدال على عرضية الشيء هو تبدله مع بقاء الموصوف بشخصه لا بماهيته و نوعيته و هل ذلك إلا كما يقال إن أفراد الإنسان كزيد و عمرو و غيرهما أعراض لأنها تحدث و تبطل و الماهية الإنسانية باقية لا يتغير لا يتعين في جواب ما هو و أما قوله إن الذي يبطله الانفصال هو العارض لا الجوهر فجوابه كما أن للاتصال معنيان إضافي و حقيقي كذلك الانفصال له معنيان أحدهما الإضافي بإزاء الإضافي و هو معنى الحدث المصدري أي الانقطاع بين شيئين و نحوه و الثاني حدوث اتصالين و التقابل حاصل بين الاتصال و الانفصال بأي معنى أخذا فالانفصال سواء كان معناه عدم الاتصال عما من شأنه ذلك أو وجود متصلين هو مقابل الاتصال و إطلاق ضد الشيء على المعنى الوجود الذي لا يجامع معه في القابل ليس ببعيد و إن كان الجوهر لا ضد له على الاصطلاح الجديد ثم إنك قد علمت أن هذه المعاني للاتصال متقاربة يلزم بعضها بعضا كما أشار إليه الشيخ في العبارة المنقولة من قاطيغورياس فالاتصال الحقيقي الكمي للجسم إذا بطل بالانفصال بطل الجوهري أيضا و حدث مقابل كل منهما و قوله إن كان الجوهري بطل بالانفصال ما كانت الجسمية يبقى مع الانفصال و هو شبه المغالطة السابقة فإن بالانفصال يبطل شخص من الجسمية الطبيعية في ضمنه و لا ينافي ذلك بقاء الطبيعة في فرد آخر و أما عما ذكره ثالثا فبمثل ما ذكرناه في الوجه الثاني من كيفية التقابل بين الاتصال و الانفصال و تبديل لفظ الاتصال بالامتداد مما لا يضرنا و قد علمت أن الاتصال بأي معنى كان يكون الانفصال معنى ما يقابله بأحد الوجهين و أما عما ذكره رابعا فبأنا لا نسلم أن الامتداد طبيعة واحدة و مفهوم واحد بل قد مر أن هاهنا كما في الاتصال الحقيقي اشتراكا لفظيا يطلق تارة على المعنى الجوهري و تارة على المعنى المقداري و ليس في الجسم امتدادان في الجهات الثلاث بل معنى ممتدية الجسم في ذاته كونه في ذاته قابلا للمقدار و الأبعاد و الكمية و موضوعا لها و هذه القابلية على سبيل الموضوعية لا يمكن لغير الممتد بنفسه بهذا المعنى كما عرفت و أما عن الوجه الخامس فبأن الامتداد الجوهري أمر واقع في الأعيان ليس كما زعمه أكثر الناس أن الفرق بينه و بين المقدار الذي هو الجسم التعليمي مجرد الإبهام و التعين حتى يكون الجسم الجوهري كالطبيعة النوعية و التعليميات كالأفراد لها نعم له في مرتبة ذاته الموجودة إبهام مقداري و تعين جوهري و قوله فيحصل في المادة الواحدة امتدادان و هو محال قد علمت أن لكل منهما معنى آخر فليس بمحال وجودهما و قوله فهما متناهيان فإما متساويان أو
أحدهما يفضل على الآخر إلى آخره قلنا الامتداد الجوهري ليس في نفسه متناهيا و لا لا متناهيا و لا هو في ذاته مساو للشيء و لا أفضل و لا أصغر منه لأن هذه كلها من صفات الكم و هو في نفسه ليس بكم نعم هو في الوجود موصوف بشيء من هذه الصفات لأجل ما يستلزمه من المقدار فهو تابع له في هذه الصفات كما مر ذكره سابقا و كذا كونه واقعا في جهة من الجهات بتبعية المقدار و الاستبعاد في كون شيء تابعا لشيء آخر في أصل الوجود و يكون ذلك الشيء تابعا له في صفات أخر ذاتية له غير مجعولة و لو لا المقدار لم يكن الجسم متهيئا لقبول الانفصال و الاتصال و لا يلزم منه أن يكون باقيا حين ورود أحدهما كما في الأسباب المعدة و بهذا يندفع اعتراض آخر منه و هو أنه لو لا المقدار ما صح الانفصال على المادة و لو لا ما وصفتموه اتصالا جوهريا مصححا للأبعاد الثلاثة ما صحت الأبعاد المقدارية و لا الانفصال على تقدير