الحاشية على الإلهيات - الملا صدرا - الصفحة ٥٦ - بطلان مذهب ذى مقراطيس
الطبيعية سيما التي بحيالنا أن ينقسم قسمة انفكاكية خارجية و لا يكفي في ذلك مشاهدة أن يرى مثلا ماء صار ماءين إذ لأحد أن ينكر كون هذه الأجسام التي يحكم الحس باتصالها و طرو القسمة عليها مسألة واحدة في أنفسها حتى يلزم انفصال متصل واحد بل نقول هذه الأجسام المحسوسة ذوات مفاصل كثيرة و كل منها مؤلف من أجسام كثيرة هي وحدانيات هي متصلات في أنفسها و لكنها غير محسوسة و غير قابلة لطريان الفصل على شيء منها فالذي ينفصل في الحس غير واحد و لا متصل في الحقيقة و الذي هو واحد متصل واحد في الحقيقة غير قابل للقسمة الانفكاكية
[بطلان مذهب ذى مقراطيس]
قوله و قد تكلمنا على إبطال هذا بالبيانات الطبيعية اعلم أنه ذهب جمع من القدماء منهم ذو مقراطيس إلى أن ما يشاهد من الأجسام المفردة كالماء و الهواء مثلا ليست بسائط على الإطلاق بل إنما هي حاصلة من تماس بسائط صغار متشابهة الطباع في غاية الصغر و الصلابة غير قابلة للقسمة الانفكاكية بل الوهمية و الفرضية فقط و بهذا و تسميتها أجساما يمتاز هذا المذهب عن مذهب القائلين بالأجزاء الذي لا يتجزى ثم اختلفوا في أشكالها فذهب الأكثرون منهم إلى أنها كرات لبساطتها و التزموا القول بالخلاء و قيل إنها مكعبات و قيل إنها مثلثات و قيل مربعات و قيل على خمسة أنواع في الأشكال فللنار أربع مثلثات و للأرض مكعب و للهواء ذو ثماني قواعد مثلثات و للماء ذو عشرين قاعدة مثلثات و للفلك ذو اثني عشر قاعدة مخمسات هذا ما نقله الخطيب الرازي و ذكر الشيخ في الطبيعيات أنهم يقولون إنها مختلفة الأشكال و بعضهم يجعلها مختلفة الأنواع و قد قرر بعض المتأخرين في الدليل في بطلان هذا المذهب بأن تلك الأجزاء لما كانت متشابهة الطبع باعترافهم جاز على كل منها ما جاز على الآخر و على المجموع الحاصل من اجتماعها و القسمة الانفكاكية مما يجوز على المجموع فيجوز على كل جزء إذ لو امتنعت على الجزء نظرا إلى ذاته لامتنعت على المجموع و ليس كذلك و بطلانه يستلزم بطلان المقدم و هو ليس بشيء أما أولا فلأن مبناه على تسليم الخصم أنها متساوية الطبع فيكون البيان جدليا و أما ثانيا فلأن صحة البيان على تقدير تساويها بالطبع موقوف على تساوي هذه الأجسام المحسوسة و المبادي الغير المحسوسة في الطبيعة و هو غير ثابت و لا هم معترفون به فإن هذه الأجسام المحسوسة لا شبهة في أنها مختلفة الطبائع فإذا كان مباديها متفقة كلها فلم يكن الكل و الجزء متفقين في الطبيعة و إن كان من الكل و المجموع العدد الحاصل من انضمام الأجزاء المادية بعضها مع بعض من غير ملاحظة الصورة السارية في الجميع فليس لنا طبيعة متأصلة لها وحدة حقيقية حتى يحكم عليها أنها متساوية لغيرها أو مخالفة له في الطبيعة و كأنه أخذ هذا الحكم من قول الشيخ في الإشارات أن القسمة بأنواعها تحدث في المقسوم اثنينية يساوي طباع واحد من الأجزاء طباع الكل الخارج المساوي له و لم يدر أن المراد منه القسمة الواردة على الجسم المفرد بما هو جسم و الجسمية طبيعة واحدة مشتركة بين الأجسام و إلا فلا يخفى فساده بناء على ما بيناه إذا عرفت هذا فاعلم أن الشيخ أبطل هذا المذهب بأقسامه أي القول بتركب الجسم المحسوس من أجزاء هي أجسام غير قابلة للقسمة سواء كانت مختلفة الأشكال أو متفقها و سواء كانت متفقة الطبع أو مختلفته في طبيعيات الشفاء بالبيانات الطبيعية أي من جهة الحركة و التخلخل و التكاثف و لزوم الخلإ و ما أشبهها سيما الذي هو أسهل نقصا و أسرع إبطالا و هو مذهب القائل بأنها مختلفة الأشكال لاستلزامها وجود الخلإ و أما هاهنا فيريد إبطال القول بتلك الأجسام على جميع الاحتمالات سواء كان مما يسلمه الخصم أو لا سيما ما هو أصعب إشكالا و أعسر دفعا من تلك المذاهب ببيان شامل كافل لإبطال الجميع على نمط فلسفي و أسلوب حكمي غير جدلي و لذلك قال فإن قال قائل إن طبائعها و إن أشكالها متشاكلة إذ تقرير ما ذكره أن القائل بوجود هذه الأجسام الصغيرة لا يخلو إما أن يجعلها بحيث لا ينقسم أصلا أو ينقسم في الوهم دون الخارج فعلى الأول يرجع وجودها إلى وجود الجوهر الفرد فلم يكن أجساما و لا مما يتألف من تركيبها الأجسام و عندهم أنها أجسام و مبادي أجسام هذا خلف و على الثاني و هو تجويز انقسامها وهما فلا يخلو إما أن يكون مخالفة حال القسمين الوهميين في أنهما لا يفترقان و الجسمين المنفصلين في أنهما لا يتصلان أمرا طبيعيا جوهريا لهذه الأجسام بما هي أجسام أو بسبب خارج غير الطبيعة المشتركة فإن كان الثاني فلا يخلو إما أن يكون ذلك السبب مما يتقوم به أصل الطبيعة و الجوهر نوعا موجودا بالفعل كالمادة بالصورة و العرض بالمحل أو سببا غير مقوم فعلى الأول يلزم عدم تعدد الأجسام و كون الأجسام كلها منحصر في واحد بلا كثرة و انفصال و هو ظاهر البطلان و على الثاني من الثاني كان جائزا من حيث الطبيعة الجسمية و النوعية اتصال منفصلين و انفصال متصلين فيكون الأجسام من حيث جواهرها النوعية قابلة للانقسام الخارجي إذ المانع عن الانقسام خارج عن طبائعها المختصة و المشتركة جميعا و هذا القدر أي كون الأجسام قابلة للانقسام في ذاتها
و إن لم ينقسم لمانع خارج سواء كان لازما أو غير لازم يكفينا لما نحن بصدده و هو إثبات جوهر في الجسم أبسط منه و على الأول من الثاني و هو كون السبب المانع للافتراق عن الالتحام و الالتحام عن الافتراق مقوما لهذه