الحاشية على الإلهيات - الملا صدرا - الصفحة ٤٠ - الفصل الثامن بيان الحق و الصدق
ثم إنه إذا عرف كونه في الوهميات فزال الأمان عن حكمه في العقليات و إذا لم يبق اعتماد عقلية في البديهيات ففي الفطريات أولى فلئن قلتم هذا اعتراف بأن هاهنا حسا و خيالا و عقلا و نوما و يقظة و خطاء و صوابا و كل ذلك اعتراف بثبوت هذه الأشياء فنقول في الجواب لا شك أن ذلك بنفسه يوجب الاعتراف بالثبوت لكن الذي أوردناه أوقع الشك في الثبوت فلذلك توقفنا و لم نحكم لا بالثبوت و لا بالانتفاء و جرى ذلك مجرى من قام عنده دليلان على طرفي النقيض و عجز عن الترجيح فإنه لا بد من التوقف فلئن حاول محال و استخراج الأجوبة عن هذه الأسئلة كان غالطا أو مغالطا لأن تلك الأجوبة لا شك أنها علوم كسبية مبنية على العلوم الأولية فلم يكن تصحيح هذه العلوم الأولية إلا بتلك العلوم الكسبية التي لا يمكن إثباتها إلا بتلك الأوليات و كان البيان دوريا و هو باطل فهذا غاية ما يمكن به أصحاب الجبرة أورده بعض الأفاضل من قبلهم قوله فالفيلسوف يتدارك ما عرض لأمثال هؤلاء إلى آخره يعني على الفيلسوف و هو الذي يبحث عن ثبوت الأشياء على ما هي عليه في الأعيان و تبيين حال عوارض الموجودات بما هي موجودات أن يتدارك ما اعترى لهؤلاء المتحيرين و أمثالهم و يعالجهم بوجهين الأول حل شبههم المذكورة و الثاني تنبيههم و تذكيرهم في أنه لا يمكن أن يكون بين النفي و الإثبات واسطة أما حل شبهتهم الأولى بوجوه الأول الإنسان و إن كان من الأفاضل و الحكماء فهو جائز الخطاء ليس كالملائكة و من يحذو حذوهم من صاحب القوة القدسية لتجردهم عن عالم الطبيعة و معدن الظلمات الذي هو منشأ الآفة و الجهل فوقوع منهم أحيانا لا يوجب الظن في العلوم الحقة اليقينية و الثاني أن الأفاضل المتخالفين في الرأي ليس يجب أن يكونوا في درجة واحدة من العلم و إصابة الحق سيما في الغوامض الدقيقة فيجوز أن يعلم بعضهم أشياء غامضة لا يدركه الآخرون و الثالث أنه يجوز أن بعض العلماء أكثر تحقيقا و إصابة في طائفة أخرى من العلوم و المسائل و لأجل ذلك يقع بينهما مخالفات في عدة من المسائل و العلم باب واسع لا يلزم أن يكون العالم الفحل البارع في العلم مصيبا في جميع المباحث و المقام حتى لا يخالفه عالم آخر قرنه في شيء منها و الرابع أن أكثر المتفلسفين و إن يعلم قواعد علم الميزان لكنه كثيرا ما لا يستعلمها اعتمادا على أصل الفطرة و القريحة و قد علم أن الفطرة الإنسانية غير كافية في إصابة الحق في الأفكار و العصمة عن الخطإ ما لم تزن أفكاره بالميزان ليعلم صحيحها من فاسدها فمن ركب متن القريحة من غير هذه الآلة فهو كمن ركض دابة جموحة من غير كف عنان لها أو جذب حطامها فخرج لا محالة من الطريق يمنة و يسرة و الركض تحريك الرجل و منه اركض برجلك و ركضت الفرس برجل إذا استحثته ليعدو و الكف قد يجيء بمعنى القبض و لا يخفى ما في هذا التشبيه من اللطافة و المناسبة و أما حل شبهتهم الثانية فهو أن بعض الحكماء كسقراط مثلا عادته أن يرمز في أقواله و يأتي بألفاظ ظواهرها مستبشعة تشمئز منه الأفهام أو مخالفة للحق و بواطنها صحيحة حقة و له في ذلك مصلحة مرعية و غرض صحيح حتى إنه لو كان يصرح بمعناها فاتت المصلحة أو لزم منه مفسدة أرجح من المصلحة الإظهار و التصريح بل أكثر الأنبياء المعصومين من السهو و الخطإ الذين لم يؤتوا من جهة غلط أو سهو بل أوتوا الحكمة و فصل الخطاب هذه وتيرتهم و شيمتهم فإن كثيرا من آيات القرآن الحكيم و أحاديث نبينا عليه و آله السلام من هذا القبيل و على هذه الوتيرة و قوله لا يؤتون على صيغة المجهول و في بعض النسخ غلطا أو سهوا بالنصب على المفعولية فبهذا المذكور من الجوابين يزيل الفيلسوف شغل قلب المتحيرين من جهة ما استنكروا و استكرهوه من العلماء و هو يخالفهم في الأقوال و الآراء و صدور أقاويل منهم غير مقبولة عند أوائل العقول و أما تلك الأمور الثلاثة المذكورة فالمراد من الأول أن المرئي بالذات و المبصر بالحقيقة هو الصورة المنتزعة من الأمور الخارجية و إطلاق المرئي على الأمر الخارجي كما زعمه الناس ليس على الحقيقة عند محصلي الحكماء فإذا كان كذلك فنحن إذا فتحنا العين نحو زيد و أبصرناه ثم إذا أغمضنا العين ثم فتحناها و أبصرناه مرة أخرى فيقال في العرف إن زيدا رئي مرتين و ليس الأمر كذلك عند التحقيق لأن المرئي بالذات في كل مرة
صورة أخرى فائضة عن المبدإ متمثلة عند النفس فاعلم أن الصور التي هي المدركة بالذات لا يمكن إدراكها مرتين بأن يتخلل بينهما زمان لأن النفس إذا أعرضت عن إدراكها إنمحت و عدمت و إذا التفت النفس حصلت صورة أخرى مثلها لأنفسها إذ المعدوم لا يعاد كما علمت فصدق القول بأن الشيء الواحد لا يمكن أن يرى مرتين و المراد من الثاني أن الشيء الخارجي لا يمكن أن يرى أصلا بل المرئي هو الأمر الذي ليس في هذا العالم كما بيناه و المراد من الثالث أحد معنيين الأول أن يكون المراد من الإضافة المضاف المشهوري إذ ما من شيء إلا و قد عرضته الإضافة و أقلها كونه علة أو معلولا فقوله لا وجود لشيء في نفسه أي لا وجود له منفكا عن الإضافة و لا يلزم من ذلك أن يكون من جنس المضاف و الثاني أن الموجود منحصر في الواجب تعالى و المعلولات و وجود الواجب هو بعينه مبدئيته و صانعيته للعالم إذ ليست صانعيته للعالم بشيء غير نفس وجوده البسيط كما حقق في مقامه فوجوده نفس قيوميته للأشياء و القيومية ضرب من الإضافة إلى غيرها نفس وجودها فلا وجود لشيء من الموجودات إلا بإضافة و لا يلزم من هاهنا أيضا أن يكون كل شيء