الحاشية على الإلهيات - الملا صدرا - الصفحة ٣٩ - الفصل الثامن بيان الحق و الصدق
للموجود بما هو موجود لعمومه في كل موجود قوله و السوفسطائي إذا أنكر هذا فليس ينكره إلا بلسانه و قد علمت أن هذا القول مما لا يمكن إقامة البرهان عليه لكونه أول الأوائل فالمنازع له لا يستحق المكالمة و المناظرة و هو إن لم يكن آفة في عقله أو مرض في قلبه فليس ينكره عقلا بل لسانا فقط فالذي ينازع هذه القضية إما أن ينازع فيها لأنه لم يحصل له تصور أجزائها و إما لكونه معاندا غرضه المماراة و طلب التفوق على الأقران و غير ذلك من الأمراض النفسانية و إما لأجل أنه تعارضت و تعادلت عنده الأقيسة المنتجة للنتائج المتناقضة و لم يكن قادرا على ترجيح بعضها على البعض فإن كان المنازع من القسم الأول فعلاجه تفهيم مفهومات أجزاء تلك القضية و إن كان من القسم الثاني و هو المختص باسم السوفسطائي فعلاجه الضرب و الحرق و أن يقال له الضرب و اللاضرب و الحرق و اللاحرق واحد و إن كان من القسم الثالث و هو المسمى بالمتحير فعلاجه حل شكوكه و بالجملة تبكيت السوفسطائي الذي غرضه المماراة و المتحير الذي يريد التخليص عن حيرته إنما يكون على الفيلسوف لأنهما ينازعان في حال من أحوال الموجود بما هو موجود و قوله في كل حال معناه أنه سواء كان القياس الذي يؤتى به في الذب عن هذه القضية قياسا في نفسه أو قياسا بالقياس إذ قد علمت أنه لا يمكن إثبات هذا القول بالقياس في نفسه و بالحقيقة فالأول هو قياس مادته مقدمات صادقة في الواقع و صورته صورة منتجة في الواقع فهو القياس البرهاني و الثاني هو قياس مادته مقدمات مسلمة عند الخصم صحيحة و إن لم يكن صحيحة صادقة في الواقع أو صحيحة و لم يكن أعرف من النتيجة و كذلك صورته صورة منتجة عنده و إن لم يكن منتجة في الواقع و هو القياس الجدلي و معنى القياس المطلق شامل لهما إذ معناه القول المؤلف من القضايا إذا سلمت لزم منها لذاتها قول آخر فيكون ذلك قياسا من هذه الحيثية و ليس يلزم أن يكون كل قياس قياسا يلزم منه قول آخر يقتضيه بل قياس كل إنما يكون قياسا لأنه مشتمل على أمور إذا وضعت و أسلمت يلزم منه شيء فهو أعم من القسمين اللذين في نفسه و هو مقدماته سالمة صحيحة سواء سلمت أم لا و أقدم و أعرف من النتيجة و الذي هو بالقياس قياس و هو مقدماته مسلمة عند المخاطب و كذا صورته فيلزم النتيجة قوله و من العجائب أن السوفسطائي الذي غرضه المماراة إلى آخره و ذلك لأن كل صاحب غرض إذا تكلم في غرضه يريد إثبات غرضه و ينكر خلافه فلا بد أن يعترف بثبوت شيء و نفي مقابله و بإثبات شيء ينتج غرضه و بأن الإثبات ينافي اللاثبات و إذا اعترف بأشياء ينتج له فيلزم عليه الاعتراف بأشياء ينتج عليه فهو لا محالة يضطر إلى السكوت و الإعراض عن البحث و التكلم و إما إلى الاعتراف بهذا القول قوله و أما المتحير فعلاجه حل شبهة و ظاهر أن الشبهة التي يستدعي حيرة مثل هذا المتحير تكون من قبيل هذه الأمور التي ذكرها الشيخ أحدها تناقض آراء الأفاضل المشهورين بالحكمة و العرفان كرأي أرسطوطاليس إذا خالف رأي أفلاطن في كثير من المسائل و كل منهما قرن الآخر لا يقتصر أحدهما عن الآخر قصورا يوجب تجويز مثل هذه المخالفات بينهما فلا يكون قول أحدهما أولى بالقبول و الصدق من قول الآخر الذي نقيضه و ثانيها سماع أقاويل مخالفة للعقل بحسب أوائل فطرته عن الأكابر المعروفين بالفضل و الكمال المشهود لهم بالإصابة في الرأي و حسن السيرة و الصدق في الكلام كقول من قال إن الشيء الواحد لا يمكن أن يرى مرتين و أن مثل زيد مثلا لا يمكن أن يرى مرة واحدة فكيف مرتين و أن لا وجود لشيء في نفسه بل بالإضافة و أمثال ذلك كثير في أقوال الحكماء و أكثر منها في كلمات الأنبياء و الأولياء ع و إدراك هذه الأمور يحتاج إلى فطرة أخرى و عقل مستفاد ثان و لا يكفي فيه العقول الأولية فكونها موجبا لتحير الشادي غير مستبعد و سيأتي حل هذه الرموز و ثالثها أن يجتمع عند الإنسان أقيسة متناقضة النتائج متضادة الأحكام لا يقتدر على اختيار بعضها و إبطال الآخر المقابل له و هاهنا وجه رابع و هو أن يحصل عندهم قياس مغالطي دال على أن لا وثوق لنا بشيء من المدارك فيلزم من ذلك الشك في الحقائق كلها و عدم الجزم بشيء منها فلهم أن يقولوا نحن إنما جزمنا بثبوت هذه الحقائق لما نجد من
أنفسنا الإحساس بالمبصرات و المسموعات و التألم بالمولمات و التلذذ بالملذات ثم إنا بعد أن نجد الجزم من أنفسنا بأمثال هذه الأشياء نعلم في وقت آخر أن ذلك الجزم كان باطلا فارتفع أماننا عن الحسن و البديهة و بيان ذلك أن الطريق إلى معرفة الأشياء إما الحس و التخيل أو العقل و لا وثوق على أحد من هذه الثلاثة أما الحس فلأنه نرى المتحرك ساكنا مثل الظل و الساكن متحركا مثل الساحل لمن كان في السفينة الجارية و نرى الصغير كبيرا إذا حال بين الرائي و المرئي بخارات رطبة و الكبير صغيرا إذا كان بعيدا و أيضا الحس المشترك يرى القطرة النازلة خطا مستقيما و النقطة الدائرة بسرعة دائرة و المبرسم أو المجنون يرى صورا لا يرتاب في ثبوتها و هي غير موجودة و أما التخيل فلأن النائم يرى في الرؤيا أمورا يجزم بها و لا يرتاب في كونها كذلك ثم بعد الانتباه متيقن أن كل تلك الاعتقادات كانت ظنونا باطلة و تخيلات فاسدة و إذا كان كذلك فمن المحتمل أن يكون هاهنا نشأة نسبتها إلى النشأة اليقظة كنسبة حالة اليقظة إلى حالة المنام فيعرف فيها أن كل ما تخيلناه أو أحسنا به كان باطلا و أما العقل فلأن تصديقه بالأمور إما أن يكون بديهيا أو كسببيا أما البديهيات فلا تعويل لها أما أولا فلأن حكم العقل بالقضايا التي يسمى عقلية كحكمه بالقضايا التي تسمى وهمية