الحاشية على الإلهيات - الملا صدرا - الصفحة ٢٥٧ - في بيان العلة الغائية في الطبائع
الفلكيات منه كما سيجيء بيانه مفصلا و الشيخ لما ذكر تمهيدا للجواب عن الشك الثالث وجود الأمور الضرورية التي يلزم الغايات الذاتية و ليست هي بغايات بل عرضية و ذكر أقسامها الثلاثة و أورد لكل منها مثالا للتوضيح و قد رأى أن وجود مبادي الشرور التي هي أيضا لازمة لبعض الخيرات واقعة بالعرض بعينه من نحو وجود القسم الثاني من هذه الأقسام فنبه على ذلك ليكون المتعلم الناظر في هذا المقام ذا بصيرة و استعدادتهم ما سيأتي في تحقيق مسألة الخير و الشر و بالجملة قد فعل هذا أي الخروج عن المقصد الأصلي و الغرض كما ذكره تسهيلا على المتعلم و إشفاقا عليه ثم عاد إلى ما كان فيه و قال و لنجب عن الشك المورد فنقول أما أشخاص الكائنات الغير المتناهية فليست هي بغايات ذاتية هذا هو الجواب عن الشك المورد من جهة تجويز عدم التناهي في العلل الغائية و لا بد في دفعه من مقامين أحدهما إقامة البرهان على ناهيها و وقوفها عند غاية لا غاية لها ذاتية و الثاني بيان المتعاقبات لا إلى نهاية ليست هي بغايات ذاتية بل عرضية أما المقام الأول فنقول العلل التمامية هي التي يكون مطلوبة لذاتها فلو قدرنا عللا تمامية لا نهاية لها فإما أن يكون هاهنا شيء مطلوب لذاته و إما أن لا يكون كذلك فإن كان فيها لما يكون مطلوبا لذاته فقد انقطع التسلسل و إن لم يكن فيها شيء مطلوبا لذاته فليس هناك علة تمامية فثبت أنه من تجويز التسلسل في العلل التمامية رفع العلل التمامية و إبطالها و أما المقام الثاني فهو أنه إن قيل الحركة الفلكية غير متناهية فإما أن يقال لا غاية لها أو يقال غاياتها غير متناهية و كلا الوجهين على نقيض ما قلتموه و كذلك القول في الحوادث الكائنة الفاسدة و كذلك القول في نتائج مترادفة عن القياسات و لا يتناهى فالجواب عنه كما أشار إليه بقوله فنقول إلى آخره و تقريره أنه ليست الغاية الذاتية للطبيعة المدبرة للعالم الماهيات الجنسية لنقصانها و عدم تمامها مثل أن يوجد جوهر أو جسم بما هو جسم فقط أو حيوان بما هو حيوان فقط و لا أن يوجد شخص معين من النوع بل الغاية الذاتية أن يوجد الماهيات النوعية وجودا دائما فإن أمكن أن يبقى الشخص الواحد منها فحينئذ لا يحتاج إلى الأشخاص و لا إلى توالد و تناسل فلا جرم لا يوجد منها أشخاص و ذلك كما في الشمس و القمر و إن لم يمكن بقاء الشخص الواحد كما في الكائنات و الفاسدات فحينئذ يحتاج إلى الأشخاص المتعاقبة لا من حيث إن تلك الكثرة مطلوبة بالذات بل من حيث إن المطلوب بالذات لا يمكن حصوله إلا مع ذلك فيكون اللانهاية في الأشخاص غاية عرضية و إن فرض أن لا تناهي الأشخاص غاية ذاتية فذلك أيضا معنى واحد غير معنى كل شخص فالذي يذهب إلى غير النهاية هو شخص بعد شخص لا لا تناه بعد لا تناه فالذي يؤدي إلى ثان و إلى ثالث و إلى رابع فليس هو بغاية ذاتية لشيء واحد بل لأمور كثيرة و الشيء الواحد لا يكون له إلا غاية ذاتية واحدة و نحن إذا أوجبنا التناهي في الغايات فإنما أردنا بها الغايات الذاتية دون العرضية فهذا هو بيان غاية الطبيعة المدبرة للعالم و أما غاية الطبيعة المختصة بالشخص المعين فهي بقاء ذلك الشخص و ليس لها غاية سوى ذلك و أما الحركة الفلكية الأبدية فالمقصود منها كما ستعرف خروج الأوضاع الممكنة من القوة إلى الفعل و ذلك معنى واحد و لكن لما لم يمكن إلا بتعاقب الأوضاع الجزئية لا جرم صارت المتعاقبة غايات عرضية و أما المقدمات و النتائج فيجب أن يعلم أن المراد بقولنا العلة الغائية متناهية أنه لا يجوز أن يكون لفاعل واحد في فعل واحد غاية بعد غاية إلى غير النهاية فأما أن يكون للأفعال الكثيرة غايات كثيرة فذلك جائز و هاهنا لكل قياس غاية معينة و ليس للنفس في ذلك القياس غاية سوى تلك الغاية فهذا لا يناقض ما ذكرناه فهذه زبدة ما ذكره الشيخ و باقي معاني ألفاظه و فوائد كلامه واضحة لا يحتاج إلى تبين قوله و أما الشك الذي يليه فينحل بأن يعلم أن الغاية يفرض شيئا و يفرض موجودا إذ فرق بين الشيء و الموجود و إن كان الشيء لا يكون إلا موجودا إلى آخره هذا الشك هو الشبهة الأخيرة التي مبناها على أن العلة الغائية لو كانت موجودة يلزم أن يكون شيء واحد متقدما على نفسه بمراتب و يكون معلول الشيء علة لعلة علته و حلها بيان كيفية علية العلة الغائية و هو
أن العلة الغائية لها ماهية و لها وجود و قد علمت الفرق بين الماهية و الشيئية و بين الوجود و الهوية و إن لم ينفك أحدهما عن الآخر لما علمت من بطلان مذهب القائمين بثبوت الماهيات المعراة عن الوجودات كالمعتزلة القائلة بشيئية المقدورات و كل علة غير واجبة الوجود فلها ماهية و وجود فالعلة لها ماهية و وجود فهي بماهيتها علة لكون سائر العلل عللا بالفعل فيكون العلة الغائية في وجودها معلولة لمعلول نفسها في شيئيتها و لكن لا مطلقا فإن تلك الشيئية ما لم تكن متصورة معلومة لا يكون علة لشيء قال الإمام الرازي في بعض تصانيفه إن هذا يقتضي أن لا يكون للأفعال الطبيعية غايات لأنه ليس لها تصور و لا إدراك ذلك يناقض مذهب الشيخ و سائر الحكماء حيث ذهبوا إلى أنه ما من فعل طبيعي أو نفساني إلا و لفاعله غاية ذاتية و الجواب عنه لوجهين أحدهما ما ذكره المحقق الطوسي في شرح الإشارات و هو التزام أن للطبائع شعورا و لو كان ضعيفا و ثانيهما أن الطبائع الجسمانية غير منفكة