الحاشية على الإلهيات - الملا صدرا - الصفحة ٢٤٣ - في بيان علية الصورة للمادة
الماهيات التي كونها ذوات حقائق إنما هو بالوجود فإن التفاوت في الوجود كمالا و نقصا أو شدة و ضعفا إنما هو بنفس الوجود الاختلاف فيه بنفس ما به الاتفاق و هذا من خواص الوجود فإنها في نفسها ذات شئون متفاوتة ثم لا يخفى أن الوجود كما أنه في ذاته يختلف بالشدة و الضعف كذلك يختلف بالتقدم و التأخر و الغنى و الحاجة و الوجوب و الإمكان لكن الاختلاف الأول لا يكون إلا من جهة خصوصيات الأفراد أي باعتبار الخصوصية و أما هذه الاختلافات الثلاثة فيمكن اعتبارها في مفهوم مطلق الوجود مع قطع النظر عن الخصوصيات إذا تقرر هذا ففي كل من هذه الصفات و الاعتبارات يكون الطرف الأشرف للعلة و مقابله للمعلول فإن اعتبرت التقدم و التأخر كان الوجود للعلة متقدما و للمعلول متأخرا و إن اعتبرت الغنى و الحاجة فمعلوم أن المعلول مفتقر إلى العلة و العلة ليست مفتقرة إليه سواء افتقر إلى غيره أو لم يفتقر أصلا كواجب الوجود و هذا المعنى قريب من الأول و المعنى الأول يكاد أن يكون نفس العلية و المعلولية بالذات و غيرها باعتبار المفهوم فإن تقدم الشيء على الشيء بالذات هو عين كونه علة له و إن اعتبرت الوجوب و الإمكان فالمعلول لا يجب إلا عند ما كانت العلة واجبة بذاتها أو بغيرها و أما العلة فربما وجبت حيث لا يكون المعلول واجبا فإن كانت العلة علة لكل معلول فهي كما أنها واجبة الوجود لذاتها كذلك واجبة الوجود بالقياس إلى جميع المعلولات و هذا شأن الأول تعالى فكل ممكن في ذاته واجب بسببه و على هذا فإن كان في الوجود شيء هو علة لمعلول خاص أو لعدة من المعلولات كانت تلك العلة واجبة الوجود بالقياس لها هو معلول لها و أما المعلول فكيف ما كان و أي ما كان فهو في نفسه ممكن واجب بسبب علته فللعلة على الإطلاق وجوب لذاتها بالقياس إلى المعلول لا الإمكان و للمعلول مطلقا إمكان في ذاته و أما وجوبه فليس إلا بواسطة العلة
[في بيان تقدم العلة على المعلول بالوجوب]
قوله و تلخيص هذا إلى قوله فيصير معناه واضحا لا سترة فيه و لا شك يعتريه و الذي يزيده إيضاحا أن العلية و المعلولية مفهومان متضايفان إذ كل منهما بالقياس إلى الآخر و المتضايفان بما هما متضايفان معان في التحقق و الوجود ثم إن وجود العلة لذاته غير متعلقة بالمعلول و إلا لكانت معلولة لمعلولها و هو محال و أما وجود المعلول فهو لذاته متعلق بالعلة فلذات العلة لذاتها اعتبار وجود و لكونها مقيسة إلى المعلول اعتبار وجود آخر و ذلك الاعتبار سابق على اعتبار المعية بينهما لتقدم الذات على الإضافة فوجوب وجود العلة لذاتها قبل وجوب وجود العلية و المعلولية بينهما و أما وجود المعلول و وجوبه فهو في مرتبة كون العلة علة فيكون متأخرا عن وجود ذات العلة و وجوبها و مقارنا لكونها علة فإن قلت كما أن للعلة اعتبار ذات و اعتبار علية متأخرة تأخر الصفة عن الموصوف فكذلك حال المعلول قلنا الفرق حاصل بأن وجود المعلول وجود تعلقي فليس له قبل التعلق بالعلة حصول أصلا فوجوده عين تعلقه و معلوليته بخلاف وجود العلة فإن قلت وجود العلة أيضا قد يكون نفس عليته فيما إذا كان الفاعل فاعلا بذاته كالواجب بذاته قلنا فالتقدم بالوجود و الوجوب هناك أوضح فإنه ذاته تعالى من جهة وجوبه الذي هو عين ذاته مبدأ لما سواه لا بعروض علية زائدة عليه فلذاته بذاته علية لما سواه قبل عروض العلية الإضافية التي هي من مقولة المضاف و يكون وجودها مع المضاف الآخر و أما وجود المعلول فسواء كان نفس الإضافة أو معروضا لما هو من المقولة فوجوده في مرتبة تلك الإضافة العارضة التي هي مع طرفها الآخر في مرتبة واحدة فاعلم قوله فيصير العلة لهذه المعاني الثلاثة إلى آخره أي العلة لكونها أقدم من المعلول و لكونها غنيته عنه و هو مفتقر إليها و لكونها واجبة بذاتها أو بغيرها عند ما هو ممكن في نفسه فيكون أولى بالوجود من المعلول و أحق منه و لما كانت حقيقة الأشياء على الإطلاق بأن يكون لها الوجود المطلق فالموجود الذي هو مبدأ مفيد للوجود المطلق لشيء و الحقيقة المطلقة و المشترك فيها بين الأشياء يكون أولى بالحقيقة مما يستفيد منه فعلى هذا إذا ثبت موجود هو مبدأ المبادي و المعطي لما سواه الحقيقة كان أحق الأحقاء بأن يكون حقا و كان هو الحق بذاته و كان سائر الأشياء الحقة به حقا مطلقا و كان التصديق بوجوده و العلم بذاته علما حقا أحق من كل علم و ذلك لأن الحق كما مر في المقالة الأولى إما أن يعني به الموجود الثابت أو العلم المطابق للواقع فبكلا الوجهين يكون الأول تعالى أحق الأشياء وجودا و معلومية و إذا لوحظ كون العلم أقوى من المعلول فكلما هو أكثر إفادة للوجود فهو أقوى وجودا فيلزم أن يكون تعالى أشد الأشياء وجودا و أن يكون وجوده تعالى غير متناه في الشدة بل وراء ما لا يتناهى بما لا يتناهى و اعلم أن للفاعل أحكاما كلية و تقسيمات كثيرة منها ما مر من كونه قد يكون بالذات و قد يكون بالعرض و أن الفاعل