الحاشية على الإلهيات - الملا صدرا - الصفحة ١٧٤ - في بيان مسبوقية الحادث بالمادة
منها نار و الإنسان يولد منه إنسان فيكون ما بالقوة مع كونه مقارنا لأمر بالفعل ليس من جنس فعليته متأخرا بالزمان عن أمر يكون من جنس فعليته بل من نوعها ففي النطفة مثلا قوة مقارنة لصورة معدنية تقوم بها ليست من جنس فعليتها و متأخرة بالزمان عن صورة حيوانية هو من نوع الفعل و كذا الحكم في البزر و الشجرة التي يحصل منه فليس كون القوة أسبق زمانا من الفعل أولى من كون الفعل أسبق زمانا منها فهذان وجهان في تقدم الفعل على القوة أعني ما بالطبع و ما بالزمان و من تلك الوجوه التقدم في المعرفة و الحد و هي الوجود الذهني فإنا نعرف الفعل لذاته و لا نعرف القوة و لا نحده إلا بالفعل فإنك تحد المربع بأنه سطح يحيط به أربعة خطوط مستقيمة متلاقية بزوايا قوائم و لا يحتاج في تحديده إلى ذكر القوة و تعقله لا يمكنك أن تحد القوة على التربيع إلا بذكر المربع أو تصوره فيتوقف معرفة القوة على الفعل دون العكس و منها التقدم بالشرف و الكمال فالفعل وجود و القوة عدم و الفعل كمال و القوة نقصان و الكمال و الخير في كل شيء من أفراد الفعل و الوجود و النقص و الشر من أفراد القوة و العدم إذ الشر هو عدم شيء أو عدم كمال الشيء إما بالذات أو بالعرض و الشر بالذات و من كل وجه لا يمكن وجوده إذ لو وجد لكان من حيث كونه موجودا خيرا لا محالة و قد فرض شرا محضا هذا خلف فالشر المحض لا وجود له بل الموجود من الشر شر بالعرض لأنه إما عدم كمال لما من شأنه أن يكون له كالقوى التي هي أعدام الملكات كالجهل البسيط و الضعف و التشويه في الخلقة و إما لأنه سبب مناف للخير كالجهل المركب و الظلم و الغم و الألم الذي هو إدراك المنافي و اعلم أن أعظم الشرور الواقعة في هذا العالم هو الألم لأن الإدراك و إن كان من أفراد الوجود كما تقرر و العلم متحد مع المعلوم كالوجود مع الماهية فإدراك المنافي يكون وجود المنافي و من أفراده لكن هذا الإدراك إن كان علما حصوليا ذهنيا كان وجود المعنى المنافي في النفس و إن كان حضوريا كان وجود العين المنافي في النفس كالألم الحاصل من تفرق الاتصال في الدنيا و فقد العلوم و الكمالات للمدرك لها في الآخرة و بالجملة الألم عبارة عن وجود العدم للنفس و وجود كل أمر هو تأكده فهذا الوجود من أفراد ماهية العدم الذي هو الشر و لهذا يكون أشد شرية من نفس الأعدام التي لا يتعلق بها إدراك من صاحبها و الحاصل أن أكثر الشرور الواقعة إنما هي في الأمور التي هي مشوبة بعدم أو قوة و لو لم يكن في الوجود أمور معها أو منها أو فيها ما بالقوة لكانت الكمالات و العنايات ضرورية حاصلة للأشياء موجودة معها فلم يكن شرا بوجه من الوجوه و مما ذكرناه ظهر لك أن القوة على الشر خير من فعله و الخير بالفعل خير من القوة عليه لما علمت أن وجود كل شيء تأكده و كماله فكمال الشر شر من نفسه و أما الخير فلا شك أن كونه بالفعل خير من القوة عليه لأن قوته عدمه و نقصه و قوله قد علمت حال تقدم القوة إلى آخره تأكيد لما ذكر صريحا و تصريح لما علم ضمنا فإنه قد علم أن القوة مطلقا بعد الفعل مطلقا و أما القوة الجزئية فيتقدم زمانا على الفعل الذي هي بالقياس إليه و لكن قد يتقدم عليه فعل مثل فعلها أو مجانس له تقدما بالطبع و بالزمان أيضا و قد لا يتقدم كالحيوان التولدي و النباتات المتكونة من غير مبدإ من نوعها أو جنسها و لكن لا بد في كل من القبيلين من تقدم فعل على قوة جزئية تقدما بالذات و من مقارنة لها في الزمان به يخرج تلك القوة إلى الفعل و قد مر أن القوة لا تقوم بذاتها بل بفعل و متى لم يكن فعل لم تكن قوة أصلا و متى لم يكن فعل محض لم يكن خروج شيء من القوة إلى الفعل فالفعل مقدم على القوة بوجوه كثيرة بالحقيقة و الذات و بالطبع و الزمان و بالحد و العلم و بالشرف و الكمال اعلم أن الوجود ينقسم إلى ما بالفعل من جميع الوجوه بحيث لا يشوبه قوة و إن فرض انتفاء جميع ما سواه و هذا شأن الأول تعالى و إلى ما لا يقارنه قوة أصلا في الواقع و لكن للذهن أن يلاحظ ذاته عند رفع غيره عنه و هذا شأن
عالم علم الله و صور قضائه و لوحه و قلمه و ليس هذا من تنزه الأول جل اسمه و إلى ما يقارنه القوة لا من قبل ذاته و حقيقته بل من قبل كمالات وجوده كالنفوس الفلكية و إلى ما هو بالفعل تارة في وجوده و بالقوة أخرى كالصور و النفوس الحادثة و إلى ما يكون فعلية هي كونه بالقوة فيكون قوة على كل شيء و إليها انتهى جهات القوة و الاستعداد كما إلى الواجب ينتهي جهات الفعل و الكمال فانظر إلى حكمة الصانع و الرحمة الإلهية و لما كان غير جائز أن يقف جوده على حد متناه يبقى وراءه الإمكان الغير المتناهي وجدت منه هيولى ذات قوة غير متناهية في الانفعال كما له قوة غير متناهية في الفعل و كان لا بد أيضا في تجدد الفيض و حدوث الحوادث من الصور و النفوس سيما الإنسانية من تجدد أمر ما يكون نحو وجوده هو التجدد و الانقضاء و يكون حدوثه عين البقاء فوجدت أشخاص جرمية دائمة الحركة الذاتية و الوضعية الدورية لأغراض علوية يتبعها استعدادات غير متناهية ينضم إلى فاعل غير متناه في الفعل و قابل غير متناه في الانفعال فينفتح باب نزول البركات و رشح الخير الدائم في الآزال و الآباد و لو لم يكن الهيولى و الحركة ما صحت اللانهاية في الممكنات فإن الأجسام متناهية العدد و المقدار و العلل و المعلولات واجبة النهاية و لا يحصل من العدد المتناهي و الجهات المتناهية إلا أمور متناهية و كان ينقطع الفيض و ينبت الوجود على ذلك المبلغ وقفا عنده فبقي في كتم العدم أمور جمة غير متناهية و بقي الإمكان على غير المتناهي من غير أن يخرج من القوة إلى الفعل فواجب الوجود نظم النظام و رتب الأكوان و الأجسام و حفظ نظامها باللانهاية في الحادثات و كان أشرف الحادثات المتعلقة بالمواد هي النفوس الناطقة و كان غير جائز