الحاشية على الإلهيات - الملا صدرا - الصفحة ١٦٦ - في بيان القوة المقارنة بالنطق
هذه القوة هي القوة الانفعالية لأن يصير الشيء رجلا بالفعل و التي قبلها هي قوة القوة و إمكان الإمكان فإن الإمكان أيضا قد يكون حاصلا لشيء بالفعل و الوجوب و قد يكون له بالقوة و الإمكان فالمني مثلا ليس يمكن له بالفعل أن يصير إنسانا بل ذلك هو يمكن له بالإمكان و قد لا يكون بالفعل و لا بالإمكان كالحجر و الشجر و البقر فإن كلا منها فيه امتناع أن يصير إنسانا لا إمكانه و لا إمكان إمكانه و اعلم أن جهة القوة الانفعالية يخالف جهة القوة الفعلية فإن جهة القوة الفعلية هي الوجود و التحصل و جهة القوة الانفعالية هي العدم و الإبهام لا كل عدم شيء لشيء بل عدم شيء لشيء من شأنه أن يوجد له فكل ما فيه قوة أمر فلا بد فيه من تركيب أمرين يكون بأحدهما بالفعل و بالآخر بالقوة و كل مركب ينتهي إلى بسيط و لاستحالة التسلسل لا بد في الوجود من أمر يكون فعليته عين قوته فيكون فيه قوة جميع الأشياء كما لا بد في الوجود من أمر بسيط يكون محض الوجود بلا عدم و الفعل بلا قوة و بذلك يثبت وجود الهيولى الأولى و وجود المبدإ الأول تعالى و هما في حاشيتي الوجود المطلق فالأول فاعل للكل لكونه في كل شيء بالفعل و له كل شيء بل هو كل الأشياء بالفعل و الهيولى قابلة للكل لأنها في ذاتها فاقدة الكل و لها إمكان الكل فبحسب ما يحصل لها فعلية صورة يصدها عن قبول صورة غيرها و بحسب ما تلك الصورة من العدم و النقص يصير مبدأ لاستعداد قبول صورة أشرف و أكمل منها مثلا إذا تصورت الهيولى بصورة المني فمن جهة كون تلك الصورة أمرا جماديا بالفعل يعوقها عن قبول صورة أخرى من الصور الجمادية و غيرها و من جهة كونها ناقصة الجمادية غير قوية الوجود يصير معدة لها لقبول صورة أخرى فوقها و هكذا إلى أن يبلغ في الكمال إلى قبول صورة العقل الفعال و هذا باب عظيم في الحكمة و المعرفة يحتاج إلى خوض شديد و تعمق تام مع ذهن ثاقب و قريحة لطيفة و الجمهور في غفلة عريضة من دركه و الحاصل أن الشيء كلما كان أشد وجودا و أقوى تحصلا كان أكثر فعلا و أقل انفعالا و كلما كان أضعف وجودا و أنقص تحصلا كان أكثر انفعالا و أقل فعلا فالباري سبحانه كما كان في غاية كمال الوجود و شدة الحصول كان فاعلا للكل و كانت قوته وراء ما لا يتناهى بما لا يتناهى و الهيولى الأولى لما كانت محض القوة و كانت في ذاتها مبهمة الوجود غاية الإبهام لتعريها عن كافة الصور و الفعليات كانت فيه قوة جميع الأشياء لست أقول استعدادها إذ الاستعداد هو القوة القريبة لشيء مخصوص و لا يكون إلا بسبب صورة خاصة فلا استعداد للهيولى في ذاتها إلا لصورة ما على الإطلاق و إنما يستعد لشيء خاص لأجل لحوق صفة خاصة بها فهي في ذاتها محض القوة لكل شيء و محض الاستعداد لشيء ما مطلقا و لذلك من شأنها أن يقبل كل شيء و لهذا يعوق البعض لها عن بعض و أنت قد علمت فيما سبق من كلام الشيخ أن الاستعداد للهيولى فصل جنسها و هو الجوهرية التي مرجعها إلى مطلق الوجود مع قيد سلبي و الاعتراض من الإشراقيين بأن الهيولى إذا كانت على هذه السزاجة من كونها محض الوجود مسلوبا عنه الزوائد كانت مثل واجب الوجود لأنه عندهم وجود محض مسلوب عنه الزوائد ساقط لأن الفرق بين القولين كالفرق بين السماء و الأرض فكون الهيولى وجودا على الإطلاق معناه أنها لغاية القصور لا يكون شيئا مخصوصا و لا يحمل عليها شيء إلا مطلق الوجود العام الشامل لجميع الأشياء حتى الأعدام و الملكات و القوى الاستعدادية فهي لأجل أنها قوة محضة تصدق عليها معنى الوجود المطلق فهي بهذا المعنى الوجود المطلق و إلا لكانت لاحقة بالعدم المحض و أما الواجب فهو صرف الوجود بمعنى أنه وجود متأكد لا يشوب بأمر عدمي بل جميع الحيثيات الوجودية مأخوذ منه ففيما ذكره خلط بين مفهوم الوجود المطلق و حقيقته الأصلية فإذن المادة الأولى قوة بعيدة بالنسبة إلى الكمالات الصورية فيحتاج إلى اقتران قوى فاعلية متعددة بعضها قبل بعض ليتصور بصورة كمالية كالجمادية و النباتية و الحيوانية و كلما كانت الصورة الكمالية أتم و إلى الغاية الأخيرة التي ليست فوقها غاية أخرى أقرب كانت القوى الفعالية في المادة الأولى التي هي قبل القوة الفاعلة لتلك الصورة أكثر و كلما كانت أبعد من الغاية الأخيرة و أقرب إلى الهيولى كانت هي أقل و كذا الحكم في المواد
الصورية الثانوية كالمني بالنسبة إلى ما بعدها من الصور في القرب و البعد و في كثرة السوابق من القوى العمالة و قلتها و اعلم أن القوى الفعلية بعضها طبائع جوهرية و بعضها صنائع و عادات هي أحوال عرضية صارت ملكة مثال الأول القوى العمالة في النطفة حتى يبلغ إلى غاية الأخيرة و في الغذاء حتى يصير في آخر الأمر عصبا و رباطا و عظما ثم يكسوه لحما ثم خلقا آخر و مثال الثاني ما ذكره الشيخ من القوى العمالة في الشجر حتى يصير مفتاحا من القوى القالعة و القوة الناشرة و القوة الناحتة و كالقوى العاملة في البر حتى يصير خبزا من القوة الطاحنة و العاجنة و المقطعة و المرقعة و الخابزة و هذه القوى الفاعلية لا بد أن يكون متخالفة الذوات إن كانت من الضرب الأول أو متخالفة الصفات إن كانت من الثاني و التي من القبيل الأول هي طائفة من ملائكة الله العمالة في الأجسام بإذن الله و هي دون الملائكة المدبرة للخلائق التي هي دون الملائكة المقربين المستغرقين في شهود حلاله و جماله و لهذا ورد في الخبر أنه وكل الله بالإنسان فيما يرجع إلى الأكل و الغذاء سبعة أملاك و هذا أقل إلى عشرة إلى مائة إلى ما وراء ذلك فنقول لا بد من ملك لجذب الغذاء إلى جوار العظم و اللحم لأنه لا يتحرك بنفسه و من آخر يمسكه في جوارهما و من ثالث يخلع عنه صورة الدم و من رابع يكسوه صورة العظم و اللحم و غيرهما و من خامس يدفع الفضل الزائد