الحاشية على الإلهيات - الملا صدرا - الصفحة ١٦٥ - في بيان القوة المقارنة بالنطق
أو لفكرة عقلية إذا كان نظريا أو بإرادة منبعثة عن اعتقاد وهمي تابع لتخيل أمر شهواني أو غضبي فإذا اقترنت بها تلك الإرادة الجازمة المسماة بالإجماع لا المميلة فقط أو اقترن بها شوق شديد شهوي أو غضبي و لم يكن هناك إرادة أخرى مخالفة له فحينذ بصير تامة موجبة لتحريك الأعضاء الأدوية و العضلات و الرباطات فكانت قبل هذا الانضمام و الاقتران مبادي بالقوة و الإمكان و حينئذ صارت مبادي الأفعال بالفعل و الوجوب و قد بين سابقا أن العلة ما لم يصر علة بالوجوب و الإيجاب لم يصير علة بالفعل و كذا ما لم يصر المعلول واجبا بها لم يوجد عنها بالفعل فما دامت الإرادة و ما يجري مجراها ضعيفة و مفارقة مقهورة لم يوجد الفعل عن الفاعل المختار مثال ذلك أنا إذا تصورنا شيئا لذيذا عندنا و وجدنا من أنفسنا و طباعنا ميلا قويا إليه فربما لا يعارضه فينا داع إلى الكف عنه فنزاوله لا محالة و ربما نعمل الروية فنجد أن المصلحة في تركه و حينئذ فنجد فينا ميلا مخالفا للميل الأول داعيا إلى خلافه و ربما غلب علينا هذا الميل الآخر فكففنا النفس عنه مع بقاء الميل بحاله من غير تبدل كالمتحمي المتكلف المتوقي عما يشتهيه جدا مع بقاء كمال الاشتهاء و كالزاهد المغلوب للشهوة في الذات المحرمة و ربما غلب الميل الأول فترتب عليه الفعل مع علمه بما يعطيه الروية من المصلحة في كف النفس عنه كالمحموم الذي يغلبه الحرص فيأكل ما يعلم مضرته و نسبة تخالف الميلين في باب القوى المحركة كتخالف الحكم العقلي و الحكم الوهمي و التخيلي في باب القوى المدركة و بالجملة ففينا ميلان متغايران نوعا و الفعل قد يترتب على كل منهما دون الآخر سواء وجد الآخر أو لم يوجد أصلا كالأكل لما لا يشتهيه و لا يتنفر عنه بأن لا يكون لذيدا و لا بشعا لما فيه من المصلحة و كالأكل لما يتنفر عنه من الدواء البشع للمصلحة فالفعل فيهما يترتب على الميل الأول دون الميل المخالف وجد أو لم يوجد و كالأكل لشهوته من دون ملاحظة المصلحة أو معها و لكن كانت مغلوبة كما مر من مثال المحموم فالفعل على الميل الحيواني دون الإرادة النفسانية ثم لا شك أن ترتب الفعل على أحدهما مع تحقق الآخر لا يتصور مع تساويهما بل إنما يكون للغالب فأيهما غلب على الشخص أطاعته بالقوة المحركة فإذا تساويا وقع الاحتياج إلى الترجيح بأعمال الروية و غيرها فتحقق و تبين من جميع ما ذكر أن هذه القوى و القدرة المقارنة للنطق و الخيال ليست في أنفسها و لا بانفرادها تامة التأثير و لا يجب من وجودها و حضور منفعلها كالبدن و نحوه و وقوعه منها بالنسبة التي إذا فعلت فيه فعلت بها فيه أن يتحقق وجود الأثر منها و الحال أنها هي بعد قوة محضة لا قدرة بالفعل و لو كان شيء من هذه القوى الفعلية بانفرادها مما يجب عنه الفعل لكان ما دام وجوده فاعلا لجميع ما له أن يفعله و فاعلا للمتضادين و ما بينهما من المتوسطات و التالي بقسميه باطل فكذا المقدم فثبت أنها إنما كانت فاعلة بالفعل إذا صارت كما قلنا من انضمام الإرادة الجازمة أو الشوق الغالب قوله و أما القوى التي في غير ذوات النطق إلى آخره لما ذكر القوى الفعالة المقارنة للإدراك التجددي و أحكامها من أنها غير تامة الفاعلية و لا واجب الفعل و الصدور و أنها لا يجب من حضورها و حضور منفعلها و حصول النسبة التي بها يفعل حين تفعل حصول الفعل منها و إلا لفعلت الأضداد و المتوسطات بينهما بالفعل و هو محال بل إذا انضمت إليها الإرادة الجازمة و ما يجري مجراها و غير ذلك من الأحكام شرع في القوى الفعالة الغير المقارنة للإدراك الحيواني و أحوالها فمن جملة أحوالها أنها إذا صادفت المادة القابلة و القوة المنفعلة يجب عندها الفعل إذ ليس هناك حالة منتظرة من إرادة أو شوق أو قسر أما الأول فلأن الكلام فيما لا إرادة فيه و أما الثاني فلأن المفروض أن المادة المهيئة حاضرة فإن كان هناك أمر منتظر فيكون طبعا منتظرا فحينئذ لم يكن ما فرضناه مبدأ بل المبدأ بالحقيقة ذلك الطبع المنتظر فقط أو المجموع المركب منه و مما حصل أولا و يكون الثاني على هذا التقدير جزء لما هو الفاعل بالحقيقة الذي وجب صدور الفعل عند تحققه و يكون حينئذ نظير الإرادة الجازمة المنتظرة في أن كلا منهما جزء لما هو المبدأ بالفعل و الذي حصل من قبل و هو جزء الآخر مبدأ بالقوة لكن الفرق بين الإرادة المنتظرة و الطبع المنتظر معلوم لأن
أحدهما جوهر و الآخر عرض و أحدهما تابع للعلم و الإدراك دون الآخر و قابل للشدة و الضعف دونه قوله و القوة الانفعالية أيضا إلى آخره لما ذكر أحوال القوى الفعلية بقسيمها و أن كلا منهما يكون منه بالقوة و منه بالفعل و يكون منه ناقصة بعيدة و منه تامة قريبة شرع في أحوال القوى الانفعالية و هي أيضا منها تامة و منها ناقصة و التامة هي التي إذا صادفتها القوة الفاعلية يحدث فيها الانفعال بالفعل و الناقصة ما لا يكون كذلك و هي التي يحتاج إلى قوة فاعلة أخرى قبل هذا الفاعل حتى يتهيأ بالفعل لحدوث هذا الانفعال فهي في كونها قوة انفعالية يكون بالقوة لا بالفعل لأنها بعيدة الانفصال و الأولى قريبة فإذن القوة الانفعالية كالقوة الفعلية قد تكون تامة و قد يكون ناقصة و قد تكون قريبة و قد تكون بعيدة و قد تكون بالقوة مثال البعيدة و الناقصة القوة التي للمني بالقياس إلى قبول الرجلية و مثال القريبة قوتها للجنينية و قوة الصبي لأن يصير رجلا فالمني و الجنين و الصبي في كل منها قوة أن يصير رجلا لكن القوة التي في المني يحتاج قبل أن يفعل فيه القوة الفعلية المحركة إلى الرجلية من قوى فعلية متتالية هي محركات للمادة المنوية بعضها إلى الجنينية و بعضها إلى الصبوية و التي في الجنين يحتاج إلى بعض تلك القوى السابقة و أما التي في الصبي المراهق فلا يحتاج إلى فاعل آخر غير فاعل الرجلية و بالحقيقة