الحاشية على الإلهيات - الملا صدرا - الصفحة ١٦٤ - في بيان القوة المقارنة بالنطق
و الأسباب المختلفة و الأعراض المتلاحقة و غير ذلك مثل الآلة كحاجة الكاتب في اختيار كتابته إلى القلم و النجار في إرادة نجره إلى المنحت أو القابل كحاجتهما إلى القرطاس و الخشب أو المعاون كحاجة النشار إلى وجود مشارك آخر يتم بهما إرادة الفعل الذي هو النشر أو صلوح الوقت كحاجة متخذ الأديم إلى وقت الصيف أو وجود مقتض كحاجة مريد الأكل أو الجماع إلى شهوة البطن أو الفرج أو زوال المانع كحاجة مريد الحركة في الحبس إلى زوال القيد و ما يجري مجرى هذه الدواعي و الأسباب فمن لم يعرف قدرة الله تعالى على ذلك التنزيه قد وقع في التجسيم و التشبيه تعالى عما يقوله المجسمة و المعطلة علوا كبيرا فإن قلت فما تقول في القدرة إذا فسر بكون الفاعل بحيث يصح منه الفعل و مقابله جميعا و الباري جل اسمه لا يصح منه حصول الطرفين فكيف يجوز إطلاق القادر بهذا المعنى عليه تعالى قلنا هذه الصحة و الإمكان بالنظر إلى نفس القدرة لا ينافي الوجوب بالنظر إلى صفة الإرادة و العلم الداعيين إلى إيجاد العالم و إن كانت صفاته تعالى كلها متحدة في الوجود و كما أن نسبة الإمكان إلى الوجوب نسبة النقص إلى الكمال و نسبة الشيء إلى تأكده فكذلك نسبة بعض الصفات إلى البعض فمبدئية القدرة لصدور الموجودات مبدئية بالإمكان و مبدئية العلم و الإرادة مبدئية بالوجوب و لا منافاة بينهما فاعلم ذلك فإنه دقيق غامض
[في بيان القوة المقارنة بالنطق]
قوله و هذه القوى التي هي مبادي الحركات و الأفعال إلى آخره يريد تقسيم القوة الفاعلية التي هي أعم من القدرة إلى التامة و الناقصة و كذا القوة الانفعالية إليهما ليظهر أن القدرة فينا و في كثير من ذوات القدرة ناقصة في الفاعلية و التأثير بأن يقال إن هذه القوى التي هي في عالمنا هذا مباد للحركات و الأفاعيل التي هي أيضا من باب الحركات و الاستحالات بعضها قوى يقارن النطق و التخيل و بعضها ليس كذلك و المراد بالنطق الإدراك العقلي الحاصل بالفكر أو بغيره على وجه التجدد و الحدوث و بالتخيل أيضا الإدراك الجزئي الباطني الحادث عقيب الإحساس و هذان الأخيران إدراكان لا يوجدان في المبادي العالية إذ لا تغير في ذاتها و لا في إدراكاتها و لا في فعلها فإدراكاتها لا يتعلق بالشيء و ضده و كذا فعلها على سنة واحدة فمبادي إدراكاتها كمبادي أفعالها لا يتعلق بالطرفين و ذلك بخلاف قوانا الفعلية و الإدراكية فنحن نعلم بقوة واحدة عقلية الإنسان و اللاإنسان و ندرك بوهم واحد أمر اللذة و الألم و نفعل بقدرة واحدة الحركة و السكون فظهر أن قوانا الفعلية و كذا الإدراكية ليست تامة بل كلها مبادي ناقصة ليس شيء منها كالمبادي العالية و لا يبعد أن يكون في الجواهر المفارقة مبدأ الفعل و مبدأ الإدراك كلاهما قوة واحدة كالواجب جل ذكره حيث إن علمه و قدرته شيء واحد و كذلك معلوماته بما هي معلوماته بعينها مقدوراته و بالعكس و سيجيء تحقيقه و ذلك غير متصور في النفوس الحيوانية الأرضية حيث إن مبدأ فعلها غير مبدإ إدراكها لكن مع ذلك مبدأ فعلها يجانس مبدأ إدراكها و لهذا قال و التي هي القوى الفعلية التي يقارن النطق و التخيل يجانس النطق و التخيل فإن الإرادة و القدرة النطقيين من جنس الإدراك النطقي فالتابع للاعتقاد العقلي إرادة عقلية يتم بها قدرة عقلية مرتب عليها ما يناسبها من الأفعال كفعل الخيرات و العبادات العقلية و وضع الشرائع و النواميس الإلهية و تدبير المملكة و السياسات الدينية و الإرادة التخيلية و التخيل الوهمي و هي كالشهوة و الغضب التابعين للاعتقاد الوهمي و الذي يترتب عليها من الأفعال ما يناسبها كقضاء الشهوات للبطن و الفرج و فعل الانتقام و الظفر على العدو و بالجملة إذا صدر عن الإنسان أو غيره من الحيوان فعل بالقدرة فلا بد هاهنا أولا من تصور ذلك الفعل تصورا من جنسه و من تصديق و اعتقاد عقلي أو وهمي ثم ما ينبعث عن أحدهما من إرادة أو شوق حيواني ثم مع ذلك لا بد من زيادة تأكد و إجماع فإن كلا من الإرادة و الشوق الحيواني قابلان للشدة و الضعف و لا يكفي في انبعاث القدرة أصل الإرادة المميلة إياها على أحد الطرفين ما لم يبلغ حد الجزم و لا الشوق الناقص إليه ما لم يشتد فإذا تمت الإرادة المتعلقة بفعل لزم صدوره من غير تخلف بالضرورة و كذا الشوق الحيواني إذا اشتد وقع الفعل المتعلق به إذا لم يكن مانع من خارج أو داخل فإن الإنسان كالمرء الصالح ربما يشتد شوقه إلى فعل شهواني فيقبح فينصرف عنه و لا يريده لوجود مانع و صارف داخلي من عقل أو شرع فعلم من هذا أن الإرادة الجازمة لا يمكن أن يتخلف فإن الشوق في الحيوان بما هو حيوان رئيس القوى الفعلية كما أن الوهم فيه رئيس القوى الإدراكية و أما في الحيوان النطقي بما هو حيوان ناطق فرئيسها بعد العقل العملي الإرادة و بعدها الشوق المنشعب إلى الشهوة و الغضب و بعده القدرة المباشرة للفعل و هو تحريك العضلات و ليس أن كل فعل يفعله الإنسان مما يحتاج فيه إلى توسط شوق حيواني بل ذلك في أفعال الشهوية و الغضبية فتأمّل فيما ذكرناه فإن بعض المتأخرين المشهورين بالتعميق و التحقيق وقع في الخبط و الغلط فظن أن الإرادة لا يكون إلا بعد الشوق نظرا إلى ظاهر قول الحكماء إن الشوق معدود في مبادي الأفعال الحيوانية و الحق ما حصلناه من أن الإرادة و الشوق متغايران كالكراهة و النفرة إذا علمت هذا فاعلم أن هذه القوى المقارنة للنطق و التخيل إذا خليت بأنفسها فهي ناقصة في كونها مبدأ في شيء آخر غير تامة إلا إذا صارت مقرونة إما بإرادة منبعثة عن اعتقاد ورائي عقلي تابع لتصور عقلي بطرفيه إذا كان الاعتقاد بديهيا