الحاشية على الإلهيات - الملا صدرا - الصفحة ١٥٣ - المقالة الرابعة و فيها ثلاثة فصول
و التناقض و كالإضافات المترادفة كلزوم اللزوم و فوقية الفوقية و غير ذلك فهذا النوع من التقدم من الإضافات الذهنية عند الشيخ هذا ما ذكره في رفع هذا الإشكال و لعمري إنه ليس بسديد فإن الحكم بتقدم الأب على الابن ليس من الاعتبارات الذهنية التي لا يطابقها أمر في الخارج و ليست القضايا المعقودة في الحكم بالتقدمات و التأخرات الزمانية على الأشياء كقولنا ذاك قبل هذا و هذا بعد كذا و وجد كذا و سيوجد كذا كلها ذهنيات صرفة لا مصداق لصدقها و لا مطابق لحكمها و قد أفاد الشيخ أن كلما يصدق حده على أمر خارجي فهو موجود و من هذا القبيل المتقدم الزماني فإن مفهومها يصدق على أبعاض الزمان و مقارناتها فكيف يكون هذا التقدم من قبيل المضافات الذهنية الغير المنتزعة عن الموجودات الخاصة فالحق في التفصي عن هذا الإشكال ما حققناه في سائر كتبنا بعد تمهيد أن المعية بين كل شيئين يجب أن يكون من نحو وجودهما فالمعية بين نقطة و نقطة ليست كالمعية بين جسم و جسم و لا كمعية عقل و عقل فأجزاء البحر موجودة معا و بعضها في المشرق و بعضها في المغرب و الفلك موجودة مع البرة الواحدة فأجزاء الزمان كلها موجودة في الدهر معا على نعت الاتصال الوحداني كما حقق في موضعه فإن وحدتها الوجودية الاتصالية لا ينافي تجددها و تعاقبها و مضيها و استقبالها فإذا جاز كونها واحدة بالاتصال فليجز كونها معا في الوجود فكما لا يمكن وحدتها التي هي عين وجودها إلا هذا النحو من الوحدة فاجتماعها في الوجود و معيتها أيضا لا يمكن إلا بنحو التقدم و التأخر و بالجملة تقدم أجزاء الزمان بعضها على بعض هو بعينه نحو وجودها الخاص و ليست هذه المعية بين أجزائها إلا وقوعها في الدهر معا و هي عين تقدم بعضها على بعض بنفس هوياتها المتجددة المتصرمة فهي مع قبلياتها و بعدياتها الزمانية واقعة كلها في وعاء الدهر مرة واحدة غير زمانية موجود بوجود واحد دفعي دفعة واحدة دهيرية كيف و العالم كله عند الحكماء الراسخين شخص واحد و له وحدة حقيقية غير زمانية مع اشتماله على أجزاء متباينة الوجود متفارقة الأكوان و بهذا التحقيق يندفع الشبهة الثانية و الثالثة إذ الفرق بينهما أن الثانية باعتبار إضافة التقدم و التأخر بين الأشياء الزمانية المقارنة لأجزاء الزمان المتقدمة بعضها و المتأخرة أخرى بالعرض باعتبار مقارنتها إياها و أما الشبهة الثالثة فهي باعتبار إضافة التقدم و التأخر بين هويات الأجزاء الزمانية فإن كلا منها نفس التقدم و المتقدم على بعض الآخر و نفس المتأخر و التأخر عن بعض و مع ذلك فلها معية وجودية يتصحح إضافة بعضها إلى بعض هذا النوع من الإضافة أعني التقدم و التأخر اللذين بحسبهما لا يجتمع الموصوفان بها في أن واحد و هذه المعية في الوجود ليست قسيما للتقدم الزماني و المتأخر الزماني بل نحو آخر من المعية كما أشرنا إليه فإن زيدا مثلا موجود مع العقل و أحدهما موجود زماني و الآخر غير زماني فإذا قول المعترض نحن متقدمون بالقياس إلى القرون التي تخلفنا و التقدم نوع من الإضافة و المضافان معا و المعية ينافي التقدم نقول في الجواب هذا التقدم إنما يعرض أولا و بالذات بجزء من الزمان و لغيره بالعرض و كذا التأخر المقيس إليه و قد علم أن أجزاء الزمان لكونها متصلة باتصال واحد فهي واقعة معا في الوجود معية يليق بها و يمكنها و يناسب نحو وجودها الضعيف المتجدد المتصرم فكذا حال مقارناتها من تلك الحيثية في باب المعية في أصل الوجود الواقع و التقدم و التأخر اللذين لا ينافيانها و أما قوله و نحن عالمون بالقيامة و العلم نوع من الإضافة فيجب أن يكون العالم بالقيامة موجودة مع القيامة و ليس كذلك هذا خلف فالجواب عنه أن المعلوم بالذات في كل علم هو الصورة الحاضرة عند القوة العاقلة و أما ما في الخارج فهو معلوم بالعرض و على ضرب من التجوز الصناعي فإضافة العالمية أيضا لم يقع للعالم إلا لما حضر عنده من الصور كصورة القيامة في هذا المثال و المعية حاصلة بيننا و بين صورة القيامة عند علمنا بالقيامة فلا إشكال من هذه الجهة أيضا فلا حاجة إلى القول بأن إضافة العالمية من الإضافات الذهنية التي لا يوازيها شيء في الخارج إذ العلم من الكيفيات النفسانية الواقعة في الوجود كما سبق فكذا إضافة العالمية و أما الجواب عن الشبهة الرابعة فبأنا نقول إن تقييد المطلق بقيد أو تخصيص العلم بمخصص أو نحو ذلك ليس من الإضافات الخارجية حتى يحتاج كل مقيد أو مخصوص إلى أن يكون قبل وجوده قد تحققت إضافة بين المطلق
و قيده أو بين العام و مخصصة بل شأن العقل أن يحلل معنى كل خاص إلى أمر مشترك و أمر مميز ثم يضيف أحدهما إلى الآخر بأنه قيده أو فصله أو مميزه أو ما يجري مجراه فإضافة التقييد و نحوها ليست إلا من الإضافات الخارجية بل من العقلية التي لا وجود لها إلا في الذهن بحسب الملاحظة العقلية و هي مما ينقطع بانقطاع الاعتبار و لا يذهب إلى لا نهاية و أما دفع الشبهة الخامسة فبأن تقول إن الإضافة و إن كانت من الوجودات لكنها من الأعراض الضعيفة الوجود التي لا استقلال لها كما علمت و إنما هي تابعة للأشياء و لا يلزم من وجودها تغيير أو انفعال فيما هو مضاف فإضافته تعالى إلى الأشياء لا يوجب تغيرا و لا تكثرا في ذاته أو في صفاته الحقيقية و إن كانت هي متكثرة بتكثر الممكنات متغيرة بتغيرها لأن وجودها فرع وجود الطرفين فهي واحدة ثابتة من جهة العلم متكثرة متغيرة من جهة المعلوم و اعتبر من ذاتك إذا كنت ساكنا و تحركت حولك أشخاص فتغيرت و تبدلت لك إضافات إليها بالمقابلة و الميمنة و الميسرة و القرب و البعد و غيرها من غير تغير فيك و لا في صفاتك الحقيقية في ذاتك
[المقالة الرابعة و فيها ثلاثة فصول]
قوله المقالة الرابعة هذه المقالة مشتملة على بعض أحوال الموجودات بما هو موجود و ليست هي كأقسام الوجود و أنواعه من الواجب و المقولات العشر و أنواعها و لا هي كالماهيات و أقسامها من المعاني الكلية كالجنس و النوع و الفصل و الخاصة بل من العوارض