الحاشية على الإلهيات - الملا صدرا - الصفحة ١٥ - الفصل الثاني في تحصيل الفلسفة
مبدأ المبادي لا مبدأ له و هو مبدأ المبادي و مسبب الأسباب من غير سبب قوله و له حد العلم الإلهي إلى آخره اعلم أن تعريفات العلوم كلها حدود و اصطلاحية كما بين في مقامه فحد العلم الإلهي هو العلم بأمور لا يفتقر في وجودها و حدودها إلى المادة فهذا الحد شامل لجميع مباحث هذا العلم فإن وقع لشيء من موضوعات مسائله اقتران بمادة لم يلزم من ذلك أن يكون له افتقار ذاتي إليها كيف و لو كان الافتقار إليها ذاتيا له لما تحقق فرد منه مفارقا عنها و ليس كذلك فإن العلة و المعلول و الواحد و الكثير و المتقدم و المتأخر و غير ذلك توجد و هي مفارقات عن المادة هذا ثم إنه و إن كان الأليق بهذا الاسم و الحد الذي بحسبه هو قسم الربوبيات و المفارقات المحضة لأنه علم بأمور هي مفارقة عن المادة من كل وجه معنى و ذاتا حدا و وجودا و لكن لا يخلو قسم مما يبحث في هذا العلم من حيثية المفارقة و يبحث عنه من تلك الحيثية و لأجل ذلك أخذ في التفضيل قوله بل الأمور المبحوث عنها فيه أقسام أربعة إلى آخره هذه قسمة أخرى للأمور المبحوث عنها في هذا العلم بحسب نسبتها إلى المادة فأحد الأقسام أمور شديدة البراءة عن المادة مفارقة عنها من كل وجه و ثانيها أمور مخالطة للمادة و لكن مخالطة السبب للمسبب به و مخالطة المقوم للمتقوم به و المتأخر للمتأخر عنه لا بالعكس و ثالثها أمور عامة و معان كلية يصح لها أنحاء من الوجود بعضها إلهية و بعضها تعليمية و بعضها طبيعية فهي إذا خالطت المادة مفتقرة إليها لم يكن ذلك الافتقار إليها من حيث طبائعه المشتركة و لا من حيث وجوداتها المطلقة بل من حيث خصوصية بعض أفرادها و نحو وجودها الطبيعي فهذه الأقسام الثلاثة مشتركة في أنها غير مفتقرة إلى المادة مهية و وجودا و مشتركة أيضا في أن البحث عنها و عن أعراضها الذاتية و أقسامها الأولية لا يقع إلا في العلم الأعلى و الحكمة القصوى و رابعها أمور مادية الوجود طبيعية الكون كالحركة و السكون و الاجتماع و الافتراق و غير ذلك من الأمور الطبيعية و العوارض المادية و لكن يبحث عنها في هذا العلم إلا من هذه الحيثية بل من حيث أحوالها العامة ككونها واحدا و موجودا أو ممكنا عاما أو كثيرا أو ما يجري مجرى هذه الأوصاف إذ ما من شيء إلا و له جهة إلهية فإن الإنسان مثلا و إن كان أمرا طبيعيا لكن له جهات و أوصاف بعضها إلهية ككونه موجودا أو واحدا أو جوهرا أو غير ذلك و بعضها تعليمية ككونه طويلا أو مستقيما أو عظيما أو نحو ذلك و بعضها طبيعية ككونه أسود أو حارا أو غضبانا أو خجلا أو غير ذلك فإذا وقع البحث عنه من الجهات التي يجري مجرى القبيل الثاني كان بحثا تعليميا داخلا في العلم الرياضي و إذا بحث عنه من جهة الصفات التي يجري مجرى قبيل الثالث كان بحثا طبيعيا داخلا في العلم الطبيعي و بالجملة ما من شيء إلا و يمكن فيه نظر إلهي من حيث له رابطة وجودية و نسبة قيومية و لذا قال له ما في السماوات و ما في الأرض و إن من شيء إلا يسبح بحمده و رحمتي وسعت كل شيء فالوجودات متعلقة بمبدإ الوجود و إنما يقع التعلق لها إلى المادة من حيث نقائصها و إعدام ملكاتها و انفعالاتها كما سيتضح لك سبيله إن شاء الله و لأجل ذلك يمكن للحكيم الإلهي أن يدرج كثيرا من المسائل الطبيعية و التعليمية و المنطقية في هذا العلم بحسب قوة نظره و عموم قواعده و أحكامه و نحن قد سلكنا بفضل الله هذا المسلك و أدرجنا كثيرا من المسائل الطبيعية تحت العلم الإلهي في كتابنا المسمى بالأسفار الأربعة فهذه الأقسام الأربعة المبحوث عنها في هذا العلم كلها مشتركة في أن النظر فيها حكمي إلهي و في أن البحث عنها ليس من جهة وجوده المادي بل من جهة وجودها المطلق و من جهة معان فيها غير مفتقرة الوجود إلى المادة قوله هي و كما أن العلوم الرياضية إلى آخره موضوع علم الهيئة هو السماء و الكواكب و موضوع الموسيقى هو الأصوات و النغمات ففي هذين العلمين من العلوم الرياضية يقع البحث عن أمور يدخل المادة في وجودها و جدودها جميعا لكن ذلك لا يوجب أن يكون النظر فيها نظرا طبيعيا و لا يخرج عن كونه تعليميا لأن البحث عنها ليس من جهة كونها أمورا مادية بل من جهة أنها ذوات مقدار أو ذوات عدد فإذا جاز
ذلك و صح أن يكون الموضوع للطبيعي موضوعا للتعليمي إذا كان النظر فيه من حيث الكمية فليجز أيضا أن يكون الموضوع للطبيعي موضوعا للإلهي إذا كان النظر فيه من حيث الموجودية و الواحدية و الإمكان و غير ذلك قوله فقد ظهر و لاح أن الغرض في هذا العلم أي شيء الغرض فيه العلم بحقائق الموجودات كما هي علما يقينيا و هو المطلوب من دعاء النبي ص رب أرني الأشياء كما هي إذ المراد بالرؤية هاهنا هو اليقين قوله و هذا العلم يشاركه الجدل و السوفسطائية من وجه ذلك الوجه هو أن موضوع النظر للجدل و السوفسطائي قد يكون أحد موضوعات العلم الإلهي كما سيشير إليه و وجه آخر هو كونها جميعا مما يسمى علما بمعنى آخر و هو الصورة العقلية المرتسمة في النفس طابقت الواقع أم لا إذ عنت له الجمهور أو الخصم أم لا فالجدلي من كانت