الحاشية على الإلهيات - الملا صدرا - الصفحة ١٣٦ - في أن المعتبر في الجوهرية الوجود العيني
و مثله لا يحتاج في كونها معقولا إلى وساطة صورة أخرى و لا إلى تعمل من تقشير و تجريد يتولاه العاقل له فهو بنفسه معقول لنفسه لأن التعقل ليس إلا حصول ماهية شيء لشيء و لا شك في أن الذات المجردة حاصلة لذاته لا لغيره كالأعراض و الصور المادية فيكون معقولة لذاتها إذ مرجع العلم و التعقل إلى الوجود فإن قلت فيكون الهيولى و الأجسام عاقلة لذاتها إذ وجودها حاصل لذاتها قلنا أما الهيولى فليس لها وجود إلا بالقوة و أما الأجسام فقد علمت منا أن لا حضور و لا جمعية لوجودها عند نفسها فإن ذا الأبعاد و الامتدادات من الأمور الضعيفة الوجود الممتزج وجودها بعدمها و حضورها بغيبتها و فعليتها بقوتها و نورها بظلمتها و كذا الصور النوعية الحالة في الأجسام حكمها في الانغمار و الانقسام حكم نفس الأجسام قوله و أما إذا قلنا إن هذا المعقول منها إلى آخره يريد أنا لم نقل في شيء من المواضع أن هذا المعقول في نفوسنا من الذوات المجردة القائمة بذواتها هو هي من كل وجه كما في العلم الحضوري بها أو هو مثلها كما في العلم الحصولي بالماهيات من حيث مفهوماتها و كذا لم نقل أيضا أنه لا بد في وجود المعقول منها لنا أن يحصل ذاتها بعينها في النفس بل هذا شيء قد أبطلناه و أحلنا القول به في كتاب النفس و إنما الذي هو الحق أن كونها معقولة لذواتها هو نفس وجود ذواتها فلا يحتاج في تعقلها لذواتها إلى صورة غير ذواتها لأن وجود ذواتها و معقولها و عاقلها و عقلها كلها شيء واحد بلا اختلاف حيثية و لا تغاير جهة فإن قلت وجود الذوات المفارقة و عاقليتها لذاتها شيئا واحدا لكنا إذا عقلناها عقلناها عاقلة لذاتها و ليس كذلك بل نحن بعد حصول علمنا بوجودها نحتاج في إثبات كونها عاقلة لذواتها إلى استيناف برهان آخر مؤلف من مقدمات غامضة و بطلان التالي يستلزم بطلان المقدم فبطل كون وجودها بعينه عاقليتها و معقوليتها لذواتها قلنا علمنا بوجودها إنما يقتضي حصول صورة عقلية منها في ذهننا و تلك الصور الحاصلة منها وجوداتها في أنفسها هو بعينها وجودها لنفوسنا لا وجودها لذوات تلك فمقتضى قاعدة العلم التي هي عبارة عن وجود شيء لشيء أن يكون تلك الصور المعقولة منها معقولة لنا لا معقولة لنفس تلك الصورة حتى يلزم من تعقلنا لها بهذه الصورة تعقلنا لكونها عاقلة لذواتها نعم لو كان علمنا بذواتها بحصول ذواتها الخارجية لنا لكان الأمر حينئذ كذلك لكن ليس علمنا بها ما دمنا في عالم الطبيعة إلا بنحو حصول صورة منها في نفوسنا قوله فإن ذاتها مفارقة و لا يصير نفسها لنفس إنسان إلى آخره هذا شروع في إقامة البرهان على امتناع أن يصير العقل الفعال أو شيء من الجواهر المفارقة بوجودها العيني صورة للنفس الإنسانية و ذلك لوجوه من اللوازم الفاسدة و فساد اللازم يقتضي فساد الملزوم و تلك الوجوه أحدها أنه لو حصلت ذاتها النفس يلزم أن يبقى سائر النفوس فارغة عنها جاهلة بها و هو محال بيان اللزوم أن الذات الواحدة بعينها امتنع لها حصولات متعددة فكما أن الشيء الواحد يستحيل حصوله في أمكنة فوق واحد فكذا يستحيل وجوده لمحال أو موضوعات فوق واحد و بالجملة فالذات الواحدة لا يكون لها إلا وجود واحد و صورة واحدة و قد استبد به و بها نفس واحدة فما لم يبطل عنها لم يحصل لغيرها و ثانيها أنه يقتضي كون العقل الفعال بذاته صورة لنفس إنسانية أن تعلم تلك النفس جميع العلوم الحاصلة في ذلك العقل فلا يعزب عن علمها مثقال ذرة في الأرض و لا في السماء كما هو شأن ذلك العقل و هو محال و ثالثها أنه يلزم حدوث العقل المفارق و هو محال و ذلك لأن هذا النحو من الوجود حادث بالضرورة لأن النفس حادثة كما دل عليه البرهان فما يوجد لها أولى بالحدوث لأن وجود شيء لشيء متفرع على وجوده متأخرا عنه و إن كان غيره بالعدد يلزم هذا المحال مع محال آخر و هو تعدد أشخاص نوع واحد من الجواهر المفارقة و قد ثبت استحالته قوله و ما قيل إن شيئا واحدا بالعدد إلخ لما ذكر في الاستدلال على نفي حصول الذات المجردة في عقل بشري بأنه يلزم من ذلك أن يبقى النفوس الأخرى غير مدركة لها كان فيما ذكر موضع شك و هو أنه لا يلزم من حصول صورة عقلية لعقل بشري بقاء سائر العقول البشرية فارغة عنها لجواز أن يكون شيء واحد صورة لمواد كثيرة عقلية أو خارجية لا بأن يؤثر فيها فأشار إلى دفع هذا الاحتمال بأنه يعلم بأدنى تفكر
و أحال بيانها إلى المذكور في علم النفس و المذكور فيما سيأتي من مباحث الماهية و لا شك أن حصول صورة واحدة بالعدد لمواد كثيرة أمر محال سواء كانت المواد مؤثرة فيها أو لا و سواء كانت المواد جسمانية أو نفسانية و لعل منشأ هذا التوهم أن كثيرا من الناس ظنوا أن الكلي الطبيعي كماهية الإنسان لا بشرط قيد آخر من العموم أو الخصوص أو غيرهما أمر واحد بالعدد و يوجد في مواد كثيرة فإن المعقول منه في الذهن هو بعينه الموجود منه في الخارج و كذا المعقول منه في الأذهان المتعددة و النفوس الكثيرة صورة بعينها منطبعة فيها