الحاشية على الإلهيات - الملا صدرا - الصفحة ١٣١ - الفصل الثامن في العلم و أنه عرض
العجب أن المولى الدواني مصر على جوهرية الماهية الذهنية قائلا أن الجوهر ماهية من شأنها أنها إذا وجدت في الخارج كانت لا في موضوع و شنع على القائل بكون صورة الجوهر التي في الذهن من باب الكيف هربا عن لزوم انقلاب الحقيقة و لم يعلم أن ورود الانقلاب على ما ارتكبه ألزم و ألصق كما يظهر بأدنى تأمّل فإن صورة الجوهر الذهني يصدق عليها حد الكيف أيضا اللهم إلا أن يلتزم في جميع الحدود التي للأنواع كلها الجوهرية و العرضية التقييد بكونها إذا وجدت في الخارج كانت كذا و كذا و يلزم عليه القول بالشبح و المثال إذ لا فرق بين أن يقال هذه الصورة الحاصلة من الإنسان كيفية نفسانية و ليست بجوهر بالحقيقة و لا قابل للأبعاد و لا نام و لا حي و لا ناطق و بين أن يقال جوهر بمعنى أنها لو وجدت في الخارج كانت جوهرا و كانت لا في موضوع و إذا وجدت فيه كانت قابلا للأبعاد و ناميا و حيا ذا حس و نطق فإذا لم يكن شيء بالفعل جوهرا و لا ذا أبعاد و نمو و اغتذاء و حس و حركة و نطق فكيف يكون إنسانا فالحق أن هذه المفهومات الكلية الحاصلة في الذهن كمفهوم الإنسانية و غيرها من صور الأنواع الجوهرية هي نفس ماهيات تلك الأنواع أي محمولة على أنفسها بالحمل الذاتي و الأولي و دلائل الوجود الذهني لا يعطي أكثر من هذا في العقليات و الكليات و أما نحو وجودها العقلي فيمكن على أنحاء مختلفة في القوة و الضعف و الظهور و الخفاء فقد يكون على وجه ضعيف كوجود الأشياء في المرأة فإن النفس بحسب صفائها و طهارتها ربما يتجلى لها شيء من الحقائق الملكوتية و هذا الصفاء و التقدس هو المعبر عنه بالكيفية النفسانية العملية و ليس أمرا عدميا محضا بل قوة كمالية يحصل عقيب الأعمال الفكرية و هي بالحقيقة إشراق نور عقلي فائض على النفس به يتراءى الماهيات كإشراق الشمس على الأبصار به يتراءى المبصرات ثم كلما اشتدت قوة النفس و قويت ذاتها اشتد ظهور تلك الحقائق عليها و قوي وجودها عندها حتى صارت النفس عين تلك المعقولات كما ستقف عليه بالبرهان و تعلم أن الذات البسيطة كيف يصير كل المعقولات ثم من كان مؤمنا بوجود عالم عقلي فيه صور الأنواع الجوهرية كما عليه أفلاطن و شيعته حسبما يجيء بيانه فله أن يقول إن لكل نوع من هذه الأنواع الجسمانية فردا له وجود مجرد عقلي متضمن لصفات ذلك النوع من الأعضاء و الأشكال و الحركات و الأفعال و الحس و الشعور و الحياة و غيرها كلها على وجه عقلي و بالجملة يحذو حذو الوجود المادي الجسماني و تلك الأفراد هي أسباب فعالة لسائر الأفراد الجسمانية لهذه الأنواع و هي الصور العقلية لها في عالم الإبداع و لا يلزم كون المعقول من شيء صورة عرضية سيما المعقول من الجوهر فهو أولى بأن يكون مستغنيا عن الموضوع و كذلك كون بعض أفراد نوع واحد أي ماهية واحدة نوعية مجردا و بعضها ماديا مما لم يقم على استحالته برهان و الدليل الدال على أن أفراد ماهية واحدة لا يقبل التشكيك و التفاوت في الوجودات شدة و ضعفا و كمالا و نقصا على تقدير تمامه إنما يتم بحسب نشأة واحدة و موطن واحد لا بحسب النشأتين و باعتبار الوجودين و الحق أن مذهب أفلاطن و شيعته في وجود المثل العقلية و الصور المفارقة في غاية المتانة و الاستحكام و لا يرد عليه شيء من النقوض و المطاعن التي أوردها عليه أتباع المشائين و نحن شيدنا أركانه و أحكمنا بنيانه بتوفيق الله و حسن تأييده و اعتصامه الإشكال الثالث أن من العلوم النفسانية هو العلم بالمتخيلات و المحسوسات فنحن إذا تخيلنا حصلت في ذهننا أفلاك عظيمة و كواكب رفيعة و جبال شاهقة و صحاري واسعة مع أشجارها و تلالها و وهادها و كل ذلك على الوجه الجزئي المانع من الاشتراك فوجب على ما ذهبوا إليه محالان أحدهما كون هذه الأمور على تقدير عرضية العلم أعراضا و معلوم أنها جواهر ليست بأعراض و الثاني أن يحصل تلك الأمور العظيمة عند كيفية و قوة عرضت لبخار حاصل في حشو الرأس و كنا إذا تصورنا زيدا مثلا مع أشخاص أخر إنسانية يحصل في القوة الخيالية أناس متحركون موصوفون بصفات الآدميين مشتغلون في تلك القوة أو في الدماغ بحرفهم و صنائعهم و هو مما يجزم العقل ببطلانه و كذا لو كان محل هذه الأشياء الروح التي في مقدم الدماغ فإنها قليل المقدار و الحجم و انطباع العظيم في الصغير مما لا يخفى بطلانه و لا يكفي الاعتذار بأن
كليهما يقبلان التقسيم إلى غير نهاية فإن الكف لا يسع الجبل و إن كان كل منهما مما يقبل القسمة إلى غير نهاية و الجواب أن هذا إنما يرد به نقضا على القائلين بأن وجود الأشباح الجرمانية بالحلول في القوى الخيالية و لم يبرهنوا ذلك ببرهان واف و لا بدليل كاف كما لا يذهب على من يتتبع أقوالهم و أما على ما ذهبنا إليه من أن نسبتها إلى النفس بواسطة تلك القوى بالصدور و أنه ليس لهذه المحال و قواها الجرمية إلا كونها مخصصات لصدور تلك الصور و الأشباح من النفس في عالمها الصغير الملكوتي أو مظاهر أو مجالي لمشاهدة النفس إياها في عالم المثال الأعظم