الحاشية على الإلهيات - الملا صدرا - الصفحة ١٣٠ - الفصل الثامن في العلم و أنه عرض
الوجود منفعلة كائنة فاسدة بل مجردة عنها قائمة بمبدعها و جاعلها و أن النفس بالقياس إلى مدركاتها الحسية و الخيالية أشبه بالفاعل المخترع منها بالمحل القابل و به يندفع كثير من الإشكالات الواردة على إثبات الوجود الذهني للأشياء التي مبناها على كون النفس محلا لها و أن القائم بشيء لا بد أن يحل فيه و لنا براهين كثيرة على ثبوت ما ادعيناه مذكورة في موضعها فإذا ثبت أن قيام تلك الصور الإدراكية ليس بالحلول بل على وجه آخر لم يلزم الإشكال و لا محذور و لا حاجة أيضا إلى القول بأن الحاصل في النفس غير القائم بها هذا ما قررنا في حال المدركات الحسية ظاهرية كانت أو باطنية إذا تقرر هذا فنقول أما حال إدراك النفس للصور العقلية من الأنواع المحصلة فهو بمجرد إضافة إشراقية حاصلة لها إلى ذوات و صور عقلية واقعة في عالم الإبداع و تلك الذوات العقلية سواء كانت قائمة بأنفسها كما هو رأي أفلاطن و من تقدمه أو واقعة في صقع الربوبية كما عليه أصحاب المعلم الأول للفلاسفة و إن كانت صورا شخصية تشخصا عقليا كليا غير محمولة على هذه الجزئيات و الأصنام المندرجة تحتها لكن النفس لضعف بصرها العقلي و قصورها و كلالها عن المشاهد القوية ما دامت في هذا العالم لا يتيسر لها معاينة تلك الذوات على وجه التعين بل على سبيل الإبهام فإن الإبهام و العموم منشؤه قصور وجود الشيء إما بحسب وجوده لنفسه أو بحسب وجوده لمدركه فإن ضعف الإدراك قد يكون منشأ الاشتراك كما يرى شخص من بعيد أو في هواء مغبر يحتمل عند الرائي أن يكون زيدا أو عمرا أو بكرا و كذا قد يحتمل في البعيد أن يكون واحدا أو متعددا و اعلم أن حقيقة العلم مرجعها إلى نحو من الوجود به ينكشف الأشياء و ليس العلم منحصرا في الكيفية النفسانية بل قد يكون جوهرا قائما بنفسه بل يكون واجب الوجود كما في علمه تعالى لكن الكلام في العلم الذي هو من صفات النفس كالقدرة و الإرادة و هو حالة نفسانية به ينكشف المعلومات و لا شك أنه أمر حادث في أنفسنا عارض لها بعد ما لم يكن و معلوم أنه غير قابل للقسمة و لا النسبة في ذاته فيكون كيفية نفسانية و العلم بهذا المعنى لا يلزم أن يكون متحدا مع المعلوم و الذي يتحد بالمعلومات هو وجودها منكشفة على نفسها أو على غيرها إنما الكلام في نحو ارتباط المعلومات بالنفس هل بنحو الحلول فيها أو لا و قد علمت أنها ليست حالة فيها فلم يلزم كون شيء واحد جوهرا و عرضا الإشكال الثاني أنه إذا كان علمنا بالأشياء الخارجية مستلزما لحصول ماهيتها و صورتها المطابقة لها يلزم أن يكون لكل نوع من هذه الأنواع الجسمانية فردا شخصيا مجردا عن المادة و لواحقها من المقدار و الأين و الوضع و أشباهها يكون ذلك الفرد المشخص كليا و نوعا بيان ذلك أن كل نوع جسماني تعقلناه فعلى ما قررتم يوجد ماهيته و حقيقة معناه في الذهن فلا يخلو إما أن يوجد ماهيته فيه من غير أن يتشخص بل يبقى على صرافة إبهامه و عمومه أو يتشخص و الأول محال إذ الوجود لا ينفك عن التشخص و وجود المبهم مبهما غير معقول و الثاني يستلزم أن يوجد في ذهننا من الإنسان مثلا شخص إنساني عقلي مجردا عن الكم و الوضع و الأين و سائر الصفات الجسمانية إذ لو قارنته لم يجز أن يحصل في العقل على ما ثبت من امتناع حصول الجسماني في المجرد العقلي و كذا حصل من الفرس فرس عقلي و من الشجر شجر عقلي و من الحجر حجر عقلي و التالي باطل فكذا المقدم و الجواب عنه في المشهور أن الموجود في الذهن و إن كان أمرا شخصيا إلا أنه عرض و كيفية قائمة بالذهن و ليس فردا من حقيقة ذلك المعلوم المأخوذ منه جوهرا كان أو غيره نعم هو عين مفهوم ذلك الشيء الموجود في الخارج و قد علمت ما ذكرناه في دفع الإشكال أن المأخوذ من الجواهر النوعية الخارجية و غيرها هو معانيها و مفهوماتها دون ذواتها و أشخاصها ثم ليس من شرط حصول معنى في موجود و تضمنه إياه أن يكون ذلك المعنى صادقا عليه و لا أن يكون ذلك الموجود فردا و مصداقا لذلك المعنى فإن الإنسان مثلا متضمن لمعاني الجماد و النبات لحفظه التركيب و النمو و التوليد مع أنه ليس جمادا و لا نباتا و أما كلية الموجود الذهني و صدقه على كثيرين فباعتبار ملاحظته مطلقا عن الخصوصيات الذهنية و الخارجية و لا حجر في كون شيء واحد كليا باعتبار و
شخصيا باعتبار آخر سيما بالقياس إلى الوجود الخارجي و العقلي فإن ألح ملح و ارتكب مرتكب أن الإنسانية التي في الذهن مثلا يشارك الإنسان في الحقيقة النوعية و الجوهرية و قبوله الأبعاد و النمو و الحس و النطق مع كونها حالة في الذهن و محلها مستغن عنه فقد وقع فيما لا مهرب عنه و