الحاشية على الإلهيات - الملا صدرا - الصفحة ١٣ - الفصل الثاني في تحصيل الفلسفة
حيوانا يلزم البحث عن مبادي الموضوع من حيث هو موضوع في العلم الذي يبحث عن أحواله قوله و يلزم هذا العلم أن ينقسم ضرورة إلى أجزاء إلى آخره العلم كالحكمة و المنطق و الطب و النحو و غيرها قد يطلق و يراد به الملكة النفسانية التي بها يقتدر الإنسان على استكشاف كل مسألة يرد عليه من غير تجشم و تكلف فيقال للموصوف بها أنه حكيم أو منطقي أو طبيب أو غير ذلك و قد يراد به العلم بمجموع المسائل المدونة فيه أو نفس تلك المسائل المعلومة و ليس المراد هاهنا المعنى الأول لأنه أمر بسيط لا أجزاء له بل المراد هو المعنى الثاني لأنه ذو أجزاء و نسبة الأول إلى الثاني ليست كنسبة المجمل إلى المفصل كالمحدود و بالقياس إلى الحد بل كنسبة العقل البسيط الفعال للعلوم التفضيلية النفسانية إلى تلك العلوم و ليس هاهنا موضع بيانه فللعلوم بالمعنى الثاني أجزاء و جزئيات و فروع فأجزاء كل علم هي العلوم و المسائل التي تحتوي ذلك العلم عليها و جزئياتها هي العلوم التي موضوعاتها أفراد موضوع ذلك العلم و فروعه هي العلوم التي موضوعاتها عوارض موضوع ذلك العلم قوله لأنها موجود متحرك فقط أو متكمم فقط يعني لو خصص السبب الأول بكونه سببا أول لكل متحرك أو متكمم لكان البحث عنه بهذا الاعتبار طبيعيا تعليميا فخرج عن كونه من أجزاء العلم الإلهي و في بعض النسخ بدل قوله إنها موجود بما هو موجود و هو أولى و أصح قوله و منها ما يبحث عن العوارض للموجود و هو كالبحث عن الوحدة و الكثرة و القوة و الفعل و التقدم و التأخر و العلية و المعلولية و قد علمت أن كونها من العوارض للموجود بأي وجه يصح و في أي مرتبة من نفس الأمر يتحقق قوله و منها ما يبحث عن مبادي العلوم الجزئية مبادي العلوم بعضها تصورية كتصور الموضوع و أجزائه و بعضها تصديقية كالتصديق بوجود الموضوع و بكونه موضوعا و بالمسائل التي يتوقف عليها البراهين الواقعة فيها على المطالب و لما كان هذا العلم متكفلا لبيان حدود الأشياء الكلية و مهياتها و إثبات وجوداتها و إنياتها بالبراهين و من جملتها مبادي العلوم التصورية و التصديقية فيقع البحث لا محالة عن تلك المبادي أيضا فيكون تلك المبادي من جملة المسائل المطلوبة في هذا العلم و قوله و لأن مبادي كل علم أخص إلى آخره هذا وجه آخر و الذي ذكرناه هو أعم مأخذا من هذا الوجه حتى إنه لو فرض علم لم يكن أخص من هذا العلم لكان البحث عن مباديه من جملة مسائل هذا العلم قوله فهذا العلم يبحث عن أحوال الموجود إلى آخره يريد به بيان أن البحث عن مبادي العلوم الجزئية بأي وجه يكون و على أي كيفية يقع في هذا العلم فإن موضوعات العلوم الجزئية أمور مخصوصة و التي يبحث عنها في هذا العلم أحوال للموجود المطلق الذي هو أعم الأشياء فكيف يكون مبادي تلك العلوم الجزئية مسائل هذا العلم فيبين ذلك و يكشف عن وجه إشكاله بأن أحوال موضوع العلم الأعلى قد يكون أمورا هي كالأقسام له و الأقسام قد يكون من العوارض الذاتية للمقسم و ذلك إذا كانت القسمة إليها قسمة أولية كقسمة الجنس إلى الأنواع و قسمة الوجود إلى الموجودات علمت أنها كقسمة الجنس إلى الأنواع بمعنى أنه ليس بخارج عن حقائق الموجودات و إن لم يكن جنسا بالحقيقة لأنه ليس مهية كلية كما مر و كذلك أقسام الأقسام أيضا من العوارض الذاتية إذا كانت القسمة إليها قسمة أولية و هكذا إلى أن يصير القسمة لسبب لحوق عارض غريب فإن المراد من القسمة الأولية أن لا يحتاج المقسم في انقسامه إلى تلك الأقسام إلى لحوق أمر خارج عن ذاته فإن قسمة الحيوان إلى الإنسان و الفرس و سائر الأنواع قسمة أولية و الأقسام أعراض ذاتية له و قسمته إلى الأبيض و غيره و إلى الضاحك و غيره و إلى الكاتب و غيره غير أولية و الأقسام ليست أعراضا ذاتية له و إن كان القسم الخارج في بعضها أعم و في بعضها مساو و في بعضها أخص مما خرج من القسم الأولى و كانت القسمة في الأنحاء الثلاثة الأخيرة أيضا مستوفاة كالأولى و بالجملة أخصية العارض لا ينافي كونه من الأحوال الذاتية للمعروض الموضوع فإذن يقول إن هذا العلم يبحث عن أحوال ذاتية للموجود المطلق و من جملة أحواله أقسامه الذاتية كالمقولات و أقسام أقسامه الذاتية أيضا كأنواع المقولات و أنواع أنواعها حتى يبلغ التقسيم إلى تخصيص يحصل به موضوع علم من العلوم سواء كان ذلك التخصيص آخر التخصيصات و التقسيمات التي لا يجوز بعده
تخصيص أم لا فالأول كالجسم القابل للحركة و السكون فإنه قسم من الأقسام الأولية الذاتية للموجود بما هو موجود و يحدث معه موضوع الطبيعي و لا يمكن أن يقع للموجود تقسيم يقع بحسبه قسم أخص خصوصا منه لا بلحوق عارض غريب من تغير أو تكمم فيصير المخصوص أمرا طبيعيا أو تعليميا لا يجوز أن يكون من أحوال الموجود بما هو موجود و لا البحث عنه داخلا في العلم الأعلى و الثاني كالكم المطلق فإنه قسم حادث للموجود من جهة تقسيمه إلى الكم و غير الكم و هو موضوع العلم الرياضي لكن يجوز بعده تقسيم آخر للموجود يكون الأقسام الأولية الحاصلة منه أخص خصوصا من الكم المطلق من غير حاجة إلى انضمام عارض غريب كقسمة الوجود المطلق إلى كم متصل و غيره بل إلى مقدار و غيره بل إلى جسم تعليمي و غيره فالجسم التعليمي مع كونه أخص من الكم المطلق بمراتب لكنه هو أيضا كالكم المطلق من الأقسام الأولية للموجود و من الأعراض الذاتية له فإن جعله جسما لا يتوقف