الحاشية على الإلهيات - الملا صدرا - الصفحة ١٢٨ - الفصل الثامن في العلم و أنه عرض
الأعراض على نحو ما مر في مفهوم العرض فلا يلزم اندراج الصورة العقلية لشيء تحت مقولتين هذا تقرير كلام المتأخرين على ما يوافق أسلوبهم و أنظارهم و الحق ما سنذكره و ليعلم أن معنى قول الشيخ و غيره من الحكماء إن كليات الجواهر جواهر ليس أن المعقول من الجوهر الذي يوصف بأنه في الذهن و له محل مستغن عنه قد يزول عنه و يصير في الخارج لا في موضوع و يكون صورة واحدة تارة في الخارج لا في موضوع و تارة في الذهن في موضوع كالمقناطيس الذي في الكف فإنه بحيث يجذب الحديد تارة كما إذا كان في خارج الكف و لا يجذبه أخرى كما إذا كان فيه فإن ذلك مغالطة من باب الخلط بين الوجود و الماهية و أخذ الكلي مكان الجزئي فإن الكلي الذي ذاته في العقل يستحيل وقوعه في الخارج مستغنيا عن الموضوع و المقناطيس الذي في الكف يجوز عليه الخروج و الجذب للحديد ثم الدخول و عدم الجذب مع بقاء هويته الشخصية في الحالين و ليست الصورة العقلية كذلك بل المراد أن الكلي الذي في الذهن له ماهية لها نحو آخر من الوجود يكون فيه لا في موضوع فإن الماهية الواحدة بحسب الحد لفرط إبهامها يصلح وحدتها المبهمة أن يكون لها تحصلات مختلفة من الحلول و التجرد و المعقولية و المحسوسية و الافتقار إلى الموضوع و الاستغناء عنه فالمعقول من الجوهر و إن كان من حيث معقولية و كلية عرضا لكن بحسب ماهيته جوهر و أما التمثيل بالمقناطيس فهو من جهة ماهية و أن ماهيته ماهية أمر شأنه جذب الحديد عند مصادفته مع قطع النظر عن خصوصيات الوجود فهي سواء كان وجودها في الكف أو في خارج الكف بصفة واحدة و هذا القدر كاف في التمثيل و قال المولى الغوشيجي في دفع الإشكال المذكور أن الحاصل في الذهن عند تصورنا الجوهر أمران أحدهما ماهية موجودة في الذهن و هو معلوم و كلي و جوهر و هو غير قائم بالذهن ناعتا له بل حاصل فيه حصول الشيء في الزمان و المكان و ثانيهما موجود خارجي و علم و جزئي و عرض قائم بالذهن من الكيفيات النفسانية فحينئذ لا يرد الإشكال إنما الإشكال من جهة كون شيء واحد جوهرا و كيفا و اعترض عليه أنه إن أراد أن هناك أمرين متغايرين بالاعتبار موافقا لما ذهب إليه الشيخ و غيره من المحققين فلا يفي بدفع الإشكال في كون شيء واحد جوهرا و عرضا و إن أراد أنهما اثنان متغايران بالذات فيرد عليه سوى كونه مخالفا للذوق و الوجدان و إحداث مذهب ثالث من غير دليل و برهان أن كل صورة مجردة قائمة لا بشيء فهي عاقل لذاته فيلزم عليه أنا عند تصورنا المعقولات يحصل ذوات مجردة عقلية علامة فعالة و هذا معلوم البطلان نعم الذي يمكن تصويره و تصحيحه من هذا الباب شيء آخر أرفع من أن يناله هو و أمثاله و هو أن النفس عند إدراكها للحسيات و المتخيلات تفعل صورا قائمة الوجود بها لكن قيام المفعول بالفاعل لا قيام العرض بالموضوع كما ستطلع عليه و عند ذلك أيضا يكون الحاصل في الذهن عين القائم به لا أنهما أمران متغايران بالذات و الذي ذكره الشيخ في دفع الشبهة المذكورة بأن المعقول من الجوهر ماهية أمر وجودها في الخارج ليس في موضوع و أما وجودها في العقل فليس كذلك غير كاف أيضا في دفع الشبهة المذكورة فإن العقل من الموجودات العينية و الحال في الموجود العيني موجود عيني فالسؤال وارد في أن الصورة العلمية للجوهر ما حالها بحسب هذا الوجود فإن كان كيفا يلزم صيرورة الجواهر كيفا في العقل و كون صورة واحدة كيفا و متحدة بالماهية الجوهرية و إن كان جوهرا كان للجوهر وجود عيني في الموضوع و لا فائدة في تقييدهم مفهومات و له ذات واحدة و الشيء الواحد بكونها إذا وجدت في الخارج كانت كذا و كذا و هذا كما يقال لنقش الفرس المنقوش في الجدار أنه شيء إذا وجدت في الخارج كان ذا حياة و حس و حركة و لا شك أن المنقوش ليس ماهية الفرس سواء كان في الجدار أو في غير الجدار فالذي في الذهن شيء واحد لا يمكن أن يكون ماهيته لأمرين متباينين فالمقام يستدعي نمطا آخر من البيان و طورا فوق طور أولئك الأعلام و لنا فيه خوض عظيم و قد أحيينا مذهب بعض المتقدمين و هم فرفوريوس و أتباعه من المشائين من أن العاقل في إدراكه للمعقولات يتحد بها و يصير عين تلك الأشياء على وجه ألطف و أشرف مما هي في الخارج و قد بينا ذلك و أوضحنا سبيله
في باب العقل و المعقولات من كتابنا الكبير و سنرجع إليه في مباحث علم الله تعالى بالأشياء و ثانيها أن نقول بعد تمهيد أن حمل شيء على شيء و اتحاده به يتصور على وجهين كما سبق ذكره أحدهما و هو المتعارف الشائع و يقال له الحمل العرضي و ثانيهما أن يعني به أن الموضوع هو بعينه عنوانه و مفهومه نفس ماهية المحمول و معناه و لا يقتصر فيه على مجرد الاتحاد في الوجود كما في الأول سواء كان في حمل الذاتيات أو العرضيات بل يراد به أن مفهوم الموضوع هو مفهوم المحمول بعد أن يلحظ بينهما نحو من التغاير كالإجمال و التفصيل في حمل الحد على المحدود أو غير ذلك أن الطبائع الكلية العقلية