صلاة التراويح سنة مشروعة او بدعة محدثة ؟ - الباقري، جعفر - الصفحة ٩٩
تسير في نفس الاتجاه الأصلي المذكور، وإنَّما نرى أنَّ هناك نصوصاً شرعية مماثلة في الصراحة، وقوة الدلالة على استثناء بعض أنواع الكذب من أصل التحريم، إذ قد يخرج من دائرة التحريم إلى دائرة الوجوب، فيما لو توقّف عليه حفظُ نفسٍ مؤمنةٍ من القتل والهلاك مثلاً.
ومفهومُ (الغيبة) كذلك، يخضعُ لنفس التعامل الذي صدر من الشريعة بشأن الكذب، فهو مذموم ممقوت في نظر الشريعة، ويُعدُّ من كبائرِ الذنوب، إلاّ أنَّ هناك موارد ذكرتها النصوصُ الإسلامية تحت عنوان (جواز الاغتياب)، يتم الانتقالُ بموجبها من الحكم الأولي بالتحريم، إلى أحكام أُخرى كالجواز مثلاً، فيما لو كانَ المغتاب متجاهراً بالفسق، ومعلناً له مثلاً.
وهكذا الأمرُ في الكثير من المفاهيم الإسلامية المذمومة الأخرى، حيثُ يردُ الاستثناءُ صريحاً فيها، فتتحولُ بواسطة هذا الاستثناء من الحكم الأولي المحرَّم، إلى أحكامٍ ثانوية أخرى، كالإباحة، أو الندب، أو الوجوب، أو الكراهة، بحسب مقدار دائرة وحدود ذلك الاستثناء، ونوع القيود التي وضعتها الشريعةُ له.
وما دمنا نتفقُ على أنَّه لا يوجد أيُّ لونٍ من ألوان الاستثناء الشرعي الصريح في خصوص الأدلة التي تناولت بأجمعها ذم الابتداع وانتقاده الشديد، وما دام لا يمكن لأيِّ أحد أن يّدعي ذلك، وحتى أُولئك الذين يقولُون بالتقسيم، إذ أنَّهم لا يبنونه على أساسِ النص الشرعي الصريح وإنَّما على التنظير العقلي المحض، أو على استفادات بعيدةِ المنال من بعض النصوص الشرعية... فما دمنا نتفقُ على ذلك، فلا بدَّ أن نتفقَ أيضاً على أنَ مفهومَ (البِدعة) لا يمتلكُ إلا قسماً واحداً مذموماً، ولو وُجد لهذا المفهوم قسمٌ آخرُ ممدوح؛ لأعربت عنه الشريعة، ولما تجاهلته وأهملته، كما هو الشأن في جميع المفردات التشريعية الأخرى.