صلاة التراويح سنة مشروعة او بدعة محدثة ؟ - الباقري، جعفر - الصفحة ١٠٧
والجوابُ على ذلك أنّا لو سلَّمنا صحةَ هذا الحديث، فإنَّ منطوقَ قول النبي الخاتَم (صَلّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وسَلَّمَ): (كلُّ بِدعةٍ ضلالةٌ) الدال على الاستيعاب والعموم بالأداة (كل) يفسرُ المفهومَ المستفاد من (بِدعةِ ضلالةٍ) ويتقدمُ عليه. فمثلاً لو قيلَ: (كلُّ نميمةٍ سوءٌ)، ثمَّ قيلَ (مَن نمَّ نميمة سوءٍ)، فهذا يعني ملازمةَ صفة (السوء) للنميمة، بعد استيعابها بالأداة (كل)، وليسَ فيه أي إيحاء بأنَّ هناك نميمة حسنة في المقابل، هذا أولاً.
وثانياً: إنَّ مثل هذا مثل المفهوم غيرُ ثابت عند أهل التحقيق والنظر من علماء الفريقين، ولو سلَّمنا ثبوتَه فإنَّه لا ينفعُنا في المقام شيئاً؛ لأنَّ الأدلةَ الصريحة والمستفيضة قد دلَّت بصراحةٍ وبشكلٍ مطلق على لزوم الضلالة للبِدعة من دون انفكاك، فيكون القيدُ في هذا الحديث، من قبيل القيدِ في قوله تعالى:
(يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأكُلُوا الرِّبا أَضعافاً مُّضاعَفَةً)[١] .
فأكلُ الربا يبقى حراماً وإن وُصفَ بكونه (أضعافاً مضاعفةً)، ولا يعني أنَّه إذا لم يكن (أضعافاً مضاعفةً) فإنَّه جائزٌ أوممدوح.
المناقشة الثانية:
كما قد يُعترض على ما تقررَ من أنَّ (البِدعة) في الاصطلاح الشرعي لم تُستعمل إلاّ مذمومةً، ولم تُطلق إلاّ على خصوص الحادث المذموم، بورود الاستثناءِ المستفادِ من قوله (صَلّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وسَلَّمَ) في الحديث الشريف:
(عملٌ قليلٌ في سُنَّةٍ، خيرٌ من عملٍ كثيرٍ في بِدعة)[٢] .
(١) آل عمران: ١٣٠. (٢) المتقي الهندي، علاء الدين، كنز العمال، ج: ١، ح: ١٠٩٦، ص: ٢١٩.