رسائل في دراية الحديث - الحافظیان، ابوالفضل - الصفحة ٢٦٥
وأمّا الصدوق في الفقيه في كتاب (الصوم) في باب النوادر؛ فقد روى هذا الحديث بطرقٍ أربعة : منها: في رواية محمّد بن سنانٍ ، عن حُذيفة بن منصورٍ، عن أبي عبد اللّه عليه السلامقال: «شهر رمضان ثلاثون يوما لاينقص أبدا» . [١] [ و] منها: في رواية حذيفة بن منصورٍ، عن مُعاذ بن كثيرٍ ـ ويُقال له: مُعاذ بن مسلم الهرّاء ـ عن أبي عبد اللّه عليه السلام ـ إلى آخر الحديث . [٢] ومنها: في رواية [ محمّد بن] إسماعيل بن بَزيع، عن محمّد بن يعقوب، عن شعيب، عن أبيه، عن أبي عبد اللّه عليه السلام . [٣] [ و] منها: وروي عن ياسر الخادم قال: قلت للرضا عليه السلام: [ هل] يكون شهر رمضان تسعةً وعشرين يوما؟ فقال: «إنّ شهر رمضان لاينقص من ثلاثين يوما أبدا». [٤] قال مصنّف هذا الكتاب رضي اللّه عنه: من خالف هذه الأخبار وذهب إلى الأخبار الموافقة للعامّة في ضدّها؛ اتّقى كما يتّقي العامّة، ولايكلّم إلاّ بالتقيّة كائنا مَن كان، إلاّ أن يكون مسترشدا فيُرشد ويبيّن له، فإنّ البدعة إنّما تُمات وتبطل بترك ذكرها، ولا قوّة إلاّ باللّه . ومثل ذلك كثيرٌ في الأبواب، والعاقل تكفيه الإشارة، كما في (باب زكاة الحنطة والشعير) [٥] وهذا الكلام من الشيخ يدلّ على أمرين: أحدهما: تصريحه بضعف ما صحّحه الكلينيّ وعمل به، كالروايتين المرويّتين في الكافي [ اللَّتين] عمل بهما الكلينيّ وقد صرّح الشيخ بضعفهما، واضطرابهما [ ممّا يضعّف ]الاحتجاج بهما، وذلك أدلّ شاهدٍ على أنّهم لم يعملوا بجميع ما رواه الآخَر، ولعلّ دأب جُلّ القدماء كان كذلك، كما مرّت الإشارة إلى ذلك. وثانيهما: أنّ الكلينيّ قد يروي حديثا لايُسنده إلى المعصوم ـ كما في الرواية الأخيرة في باب زكاة الحنطة ـ ومثل ذلك في الكافي ليس بعديم النظائر، كما لايخفى على المتتبّع من ذوي البصائر، ومثل ذلك كافٍ لدى الأكابر . [ و] أمّا الجواب عن الثالث : فواعجبا من التمسّك بالحكمة في إثبات قطعيّة صدور جميع الأخبار المودَعة في الكتب الأربعة، لأنّ عدم تضييع [ مَن في ]أصلاب الشيعة لايُناط بصدق صدور تلك الأخبار، بل الحكمة لا ربط لها بهذه المقدّمات أوّلاً . وثانيا: على فرض قضيّة الحكمة الإلهيّة الربّانيّة [ فإنّها] تابعةٌ للمصالح والمفاسد الكامنة، فلا بُدَّ أن يكون مقتضاها الهداية [ إلى] الأحكام الواقعيّة، والدلالة على معرفة مضمونها، حتّى تكون الأحكام نفسها قطعيّةً، سواءٌ حصل العلم بصدور أخبارها أم لا،
[١] الفقيه ٢ : ١٦٩ ، ح ٢٠٤٢ .[٢] الفقيه ٢ : ١٦٩ ـ ١٧٠ ، ح ٢٠٤٣ .[٣] الفقيه ٢ : ١٧٠ ، ح ٢٠٤٤ .[٤] الفقيه ٢ : ١٧١ ، ح ٢٠٤٦ .[٥] تهذيب الأحكام ٤ : ١٩ ـ كتاب الزكاة، باب زكاة الحنطة والشعير والتمر والزبيب .[ فقد ]روى الشيخ عن محمّد بن يعقوب، عن أبي عليّ الأشعريّ، عن أحمد بن محمّد، عن عثمان بن عيسى، عن سَماعة قال: سألته عن الزكاة في الزبيب والتمر، فقال: «في كلّ خمسة أوْساقٍ وَسْقٌ ـ والوَسْق ستّون صاعا ـ والزكاة فيهما سَواء، {*} فأمّا الطعام فالعُشر فيما سَقَت السماء، وأمّا ما سقي بالغَرَب والدَّوالي فإنّما عليه نصف العُشر». [ قال الشيخ]: فإنّ هذين الخبرين ـ أي المذكور وماقبله ـ الأصْل فيهما «سَماعة» وتختلف روايته، [ لأنّ الرواية الأخيرة] قال فيها: «سألته» ولم يذكر المسؤول، وهذا يحتمل أن يكون المسؤول غير مَن يجب اتّباع قوله . وزاد [ أيضا] فيه الفرق بين زكاة الحنطة والشعير [ والتمر] والزبيب، وقد قدّمنا من الأحاديث ما يدلّ على أنّه لا فرق بين هذه الأشياء، [ والرواية الأولى قال فيها: سألتُ أبا عبداللّه عليه السلام وذكر الحديث] وهذا الاضطراب في الحديث ممّا يضعّف الاحتجاج به.