رسائل في دراية الحديث - الحافظیان، ابوالفضل - الصفحة ٥٩
لكنّهم قالوا : هذا قد صحب رسول اللّه صلى الله عليه و آله و رآه و سمع منه ، فأخذوا منه و هم لايعرفون حاله . و قد أخبر اللّه تعالى عن المنافقين بما أخبره ، و وصفهم بما وصفهم ، فقال عزّ وجلّ : «وَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَ إِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ» [١] ثمّ بَقوا بعده فتقرّبوا إلى أئمّة الضلالة و الدعاة إلى النار بالزور و الكذب و البهتان فولّوهم الأعمال ، و حملوهم على رقاب الناس ، و أكلوا بهم الدنيا ، و إنّما الناس مع الملوك و الدنيا إلاّ من عصمه اللّه سبحانه ؛ فهذا أحد الأربعة. و رجلٌ سمع من رسول اللّه صلى الله عليه و آله شيئا ، لم يحمله على وجهه ، و وَهِم فيه ، و لم يَتَعَمَّدْ كذبا ، فهو في يده يقول به و يعمل به و يرويه ، و يقول : أنا سمعته من رسول اللّه صلى الله عليه و آله . فلو علم المسلمون أنّه و هم لم يقبلوه ، و لو علم هو أنّه وَهْمٌ لَرفضه . و رجل ثالث : سمع من رسول اللّه صلى الله عليه و آله شيئا أمر به ، ثمّ نهى عنه ، و هو لا يعلم ، أو سمعه ينهى عن شيءٍ ثمّ أمر به ، و هو لايعلم ، فحفظ منسوخه و لم يحفظ الناسخ ، فلو علم أنّه منسوخ لرفضه . ولو علم المسلمون إذ سمعوه منه أنّه منسوخ لرفضوه . و رجل رابع لم يكذب على رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، مبغض للكذبِ خوفا من اللّه و تعظيما لرسول اللّه صلى الله عليه و آله لم ينسه ، بل حفظ ما سمع على وجهه ، فجاء به كما سمع ، لم يزد فيه و لم ينقُص منه . و علم الناسخ من المنسوخ ، فعمل بالناسخ و رفض المنسوخ . فإنّ أمر النبيّ صلى الله عليه و آله مثلُ القرآنِ ناسخٌ و منسوخ ، و خاصٌّ و عامٌّ ، و محكم و متشابه . و قد كان يكون من رسول اللّه صلى الله عليه و آله الكلامُ له وجهان : كلامٌ عامٌّ و كلامٌ خاصّ مثل القرآن ، و قال اللّه عزّ وجلّ في كتابه «مَآ ءَاتَـلـكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مَا نَهَـلـكُمْ عَنْهُ فَانتَهُواْ» [٢] فيشتبه على من لم يعرف و لم يدر ما عنى اللّه به و رسوله صلى الله عليه و آله ، و ليس كلّ أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه و آلهكان يسأله عن شيءٍ فيفهم ، و كان منهم [مَن] [٣] يسأله و لايستفهمه حتّى أن كانوا ليحبّون أن يجيئ الأعرابيّ و الطّارئُ، فيسأل رسول اللّه صلى الله عليه و آله حتى يسمعوا.
[١] المنافقون : ٦٣ / ٤ .[٢] الحشر : ٥٩ / ٧ .[٣] الزيادة من المصادر.