تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٤٤٠
المال أصواتهم وليس فيه إلّا غرارتين [١] ، فقالوا : النجاء ، فإن القوم إنّما يحاولون الدنيا ، فهربوا وأتوا بيت المال فانتهبوه ، وماج الناس ، فالنائي يسترجع ويبكي ، والطارئ يسعى ويفرح.
وقتل عثمان يوم الجمعة لثمان عشرة [٢] من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين على رأس إحدى عشرة سنة وأحد عشر شهرا واثنين وعشرين يوما من مقتل عمر بن الخطّاب ، وبقي الناس فوضى ، وندم القوم ، فتخلى منهم الشيطان.
وأتى الزبير الخبر بمقتل عثمان وهو حيث هو ، فقال : إنّا لله وإنّا إليه راجعون ، رحم الله عثمان وانتصر له ، وقيل له : إنّ القوم نادمون [٣] ، فقال : دبروا دبروا [٤] ، (وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ ، إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ)[٥] ، وأتى طلحة الخبر ، فقال : يرحم الله عثمان ، وانتصر له وللإسلام ، وقيل له : القوم نادمون ، فقال : تبا لهم ، وقرأ (فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً ، وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ)[٦] وأتى عليا الخبر ، فقيل : قتل عثمان ، فقال : رحم الله عثمان ، وحلف علينا بخير ، وقيل ندم القوم فقرأ (كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ)[٧] إلى آخر الآية ، وطلب سعد ، فإذا هو في حائطه ، وقال : لا أشهد قتله ، فلما جاءه قتله قال : فررنا إلى المدينة بديننا ، فصرنا اليوم نفرّ منها بديننا ، وقرأ أولئك (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً)[٨] اللهم أندمهم ثم خذهم ، وكان الزبير قد خرج أيضا لئلا يشهد قتله ، كارها [٩] أن يقيم بالمدينة ، فأقام على طريق مكّة.
أنبأنا أبو محمّد بن الأكفاني ، وابن السّمرقندي ، وأبو تراب المقرئ ، قالوا : أنا عبد العزيز بن أحمد ، أنا عبد الرّحمن بن عثمان بن أبي نصر ، نا أبو بكر أحمد بن محمّد ، وأبو الميمون بن راشد ، قالا : نا أبو عبد الملك القرشي ، نا محمّد بن عائذ ، نا الحكم بن هشام العقيلي ، عن عبّاد بن منصور ، عن الحسن بن أبي الحسن البصري ، قال : كان عثمان كخير ابني آدم.
[١] كذا بالأصل و «ز» ، وم ، وفي الطبري : غرارتان ، وهو الأشبه.
[٢] الأصل وم و «ز» : لثمان عشر.
[٣] الأصل وم و «ز» : نادمين.
[٤] كذا بالأصل وم ، والحرف الثاني في اللفظة لم يعجم في «ز» ، وفي الطبري : ذئروا.
[٥] سورة سبأ ، الآية : ٥٤.
[٦] سورة يس ، الآية : ٥٠.
[٧] سورة الحشر ، الآية : ١٦.
[٨] سورة الكهف ، الآية : ١٠٤.
[٩] الأصل وم و «ز» : كاره.