تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٣٦٥
[عثمان][١] ، فقال : ما لك لا تقول؟ قال : إن قلت لم أقل إلّا ما تكره ، وليس لك عندي إلّا ما تحبّ.
قال أبو العباس : تأويل ذلك : أنّي إن تكلمت [٢] اعتددت عليك بمثل ما اعتددت به عليّ ، فلذعك عتابي وعقدي أن لا أفعل ـ وإن كنت عاتبا ـ إلّا [٣] ما تحبّ.
قال القاضي أبو الفرج.
هذا الذي تأوله أبو العباس وجه مفهوم. وفي هذا القول تأويل آخر ، وهو أن يكون أراد : أنه إن شرع في مخاطبته بما استدعى أن يخاطبه فيه ذكر له أنه أتى بخلاف الأصوب عنده ، وترك ما كان الأولى به أن يفعله ، إلّا أنه لإشفاقه عليه مع إيثاره ، النصيحة له آثر محبته وكره إظهار ما فيه تثريب عليه ، أو لائمة له ، وهذا التأويل عندي أصح من قول أبي العباس ، وقد ورد في معناه ما نشهد لما وصفنا في القصة التي ذكرنا :
حدّثنا الحسين بن القاسم الكوكبي ، نا عبد الرّحمن بن منصور ، نا العتبي ، عن أبيه قال :
بعث عثمان بن عفّان إلى ابن عباس وهو محصور ، فأتاه ، وعنده مروان بن الحكم ، فقال عثمان : يا ابن عباس ، أما ترى إلى ابن عمّك ، كان هذا الأمر في بني تيم وعدي ، فرضي وسلّم ، حتى إذا صار الأمر إلى ابن عمه بغاه الغوائل ، قال ابن عباس : فقلت له : إنّ ابن عمك والله ما زال عن الحق ولا يزول ، ولو أن حسنا وحسينا بغيا في دين الله الغوائل لجاهدهما في الله حقّ جهاده ، ولو كنت كأبي بكر وعمر لكان لك كما كان لهما [٤] ، بل كان لك أفضل لقرابتك ورحمك وسنك ، ولكنّك ركبت الأمر وهاباه ، قال ابن عباس : فاعترضني مروان فقال : دعنا من تخطئتك يا ابن عباس ، فأنت كما قال الشاعر :
| دعوتك للغياث [٥] ولست أدري | أمن خلفي المنية أم أمامي | |
| فشقّقت الكلام رخيّ بال | وقد جلّ الفعال عن الكلام |
[١] الزيادة للإيضاح عن «ز» ، وم ، والجليس الصالح والكامل للمبرد.
[٢] في الكامل : قلت.
[٣] الأصل : «إلى» والتصويب عن «ز» ، وم ، والمصادر.
[٤] في الجليس الصالح : كان لأبي بكر وعمر.
[٥] الجليس الصالح : للعتاب.