تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٤٢٦
حتى تناوله محمّد بن أبي بكر ، فقبض على لحيته ، فشتمه ، فقال عثمان : يا ابن أخي ، إن كان عزيز على والدك أن يضع يده حيث وضعت يدك ، فخرج ، ودخل عليه أبو عمرو بن بديل فطعنه بسهم ، ثم دخل عليه رومان بن سودان عديد لآل أصبح فضربه بالجرز [١] فقتله ، ثم دخل عليه نفر بأسيافهم ليضربوه بها ، فتناولت ابنة الفرافصة سيفا من أسيافهم ، فجرح بيدها ، فقالت : ويحكم ، إن كنتم تريدون قتله فقد والله قتله صاحب الجرز ، ولكنه حي عند ربه يرزق.
قال : فقال عمرو بن العاص حين بلغه قتل عثمان : قد علمت العرب أنّي إذا حككت قرحة [٢] أدميتها [٣] ، ثم إنّ الركب انصرفوا إلى مصر ، فلما دخلوا الفسطاط ارتجز مرتجزهم :
| ألا احذرن من مثلها أبا حسن | إنا نمر الحرب إمرار الرسن | |
| ننطق بالفصل وإحكام السنن | ||
فلما دخلوا المسجد قالوا : إنّا لسنا قتلنا عثمان ، ولكن الله قتله ، وكذلك يقول الله : (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ ، فَإِذا هُوَ زاهِقٌ ، وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ)[٤] فلما رأى ذلك شيعة عثمان بن عفّان ومن كره قتله قام من قام منهم إلى ابن أبي الكنود [٥] سعد بن مالك الأزدي ، وكان في مجلس ، ثم تتابعوا إليه حتى عظمت حلقته لا يقوم إليه رجل إلّا كان على مثل رأيه ، فوجم القوم لذلك طويلا ، فقال يومئذ لأهل الحلقة رجل من حجر يقال له عبد الله بن جويبر : قد طال منذ اليوم صماتكم ، فحلّوا حباكم [٦] ثم الحقوا برجالكم ، وأبرموا أمركم ، فقام القوم عند ذلك : فألبّ بعضهم بعضا ، وكان من يمشي في ذلك ويدعو إليه مقسم بن بجرة التجيبي ، فبدأ بابن أبي الكنود الكنود سعد بن مالك ، فدعاه أن يتولى أمر الخارجة ويطلب بدم عثمان ،
[١] الجرز : العمود من الحديد (اللسان).
[٢] الأصل والمطبوعة : فرجه ، والتصويب عن م و «ز».
[٣] الأصل : دميتها ، والتصويب عن م و «ز».
وهو مثل ، يريد : إذا يممت غاية تقصيتها وبلغتها.
انظر المستقصي للزمخشري ١ / ١٢٤ مجمع الأمثال للميداني ١ / ٢٨.
[٤] سورة الأنبياء ، الآية : ١٨.
[٥] كذا بالأصل وم و «ز» : ابن أبي الكنود ، والصواب أن سعد بن مالك يكنى بأبي الكنود ، ف «بن» مقحمة.
[٦] جمع حبوة. والحبوة الثوب الذي يحتبي به.