تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٢٠٠
ما فيكم مثل أبي عبد الله ، أوليس زوّجه النبي ٦ ، [ثم] أتاه جبريل فقال حين أوعز إليه وهو في المقبرة : يا محمّد إنّ الله يأمرك أن تزوّج عثمان أختها؟ وكيف لا أقول هذا وقد جهّز أبو عبد الله جيش العسرة ، وهيّأ للنبي ٦ سخينة [١] أو نحوها ، فأقبل بها في صحفته وهي تفور ، فوضعها تلقاء النبي ٦ فقال النبي ٦ : «كلوا من حافتها ولا تهدّوا ذروتها ، فإن البركة تنزل من فوقها» ، ونهى رسول الله ٦ أن يأكل الطعام سخنا جدا ، فلما أكل رسول الله ٦ السخينة أو نحوها من سمن وعسل وطحين ، فمدّ رسول الله ٦ يده إلى فاطر البرية تبارك وتعالى ، ثم قال : «غفر الله لك يا عثمان ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر ، وما أسررت وما أعلنت ، اللهمّ لا تنس هذا اليوم لعثمان».
قال علي ; : معشر المهاجرين تعلمون أنّ بعير أبي جهل ندّ [٢] فقال رسول الله ٦ لعمر : «يا عمر ائتنا بالبعير» ، فانطلق البعير إلى عير أبي سفيان ، وكانت عليه حلقة مزموم بها من ذهب ، وقال آخرون من فضة ، وعليه جلّ مدبّج [٣] كان لأبي جهل ، فقال رسول الله ٦ لعمر : «ائتنا بالبعير» ، فقال عمر : يا رسول الله إنّ من هناك ـ يعني ملأ قريش ـ عديّ أقلّ ذاك فعلم رسول الله ٦ ، أن العدد والمادة لعبد مناف ، فوجّه رسول الله ٦ بعثمان إلى عير أبي سفيان ليأتي بالبعير ، فانطلق عثمان على قعوده [٤] ، وكان النبي ٦ معجبا به جدا ، حتى أتى بالبعير ، فإن أبا سفيان فقام إليه مبجّلا معظّما وقد احتبى بملاءته [٥] فقال أبو سفيان : كيف خلّفت ابن عبد الله؟ فقال له عثمان : من هامات قريش وذروتها وسنام قناعسها [٦] يا أبا سفيان هو علم من أعلامها ، يا أبا سفيان سماه محمّد ٦ سماء ماطرة ، وبحاره زاخرة ، وغيومه هماعة [٧] ودلاؤه رفاغة يا أبا سفيان ، فلا عري من محمّد فخرنا ، ولا قصم بزوال محمّد ظهرنا.
فأنشأ أبو سفيان فقال : يا أبا عبد الله ، أكرم بابن عبد الله ذاك الوجه كأنه ورقة
[١] السخينة : طعام يعمل من دقيق ولبن ، أو دقيق وسمن أو دقيق وتمر ، وقد عيّرت قريش بها لأنها كانت تكثر من عملها وأكلها.
[٢] أي شرد.
[٣] الجلّ : بضم الجيم وفتحها ، الذي تلبسه الدابة لفصان به ، والمدبج : المزين.
[٤] القعود من الإبل هو البكر حين يمكن ظهره من الركوب.
[٥] احتبى بملاءته : احتبى الرجل ضم رجليه إلى بطنه بثوب يجمعهما به مع ظهره.
[٦] قناعس جمع قنعاس مثل مفاتح جمع مفتاح ، وهو العظيم الضخم من الإبل.
[٧] أي ماطرة ، سحاب همع : ماطر.